- ACCUEIL
- Pages
- BILLETS EN LANGUE ARABE مقالات باللغة العربية
- منشورات قانونية متنوعة
منشورات قانونية متنوعة
الموضوع 3 - عدم استقرار الاجتهاد القضائي : تدخل المحكمة العليا - 2025/03/15
في سابقة ملفتة للانتباه أصدرت الرئاسة الأولى للمحكمة العليا مؤخرا مذكرة ذات أهمية متميزة من شأنها جعل حد أو على الأقل التقليل من الارتباك الملاحظ في الأحكام و القرارات الصادرة عن بعض الجهات القضائية السفلى التي كثيرا ما تبتعد عن تطبيق مبادئ الاجتهاد القضائي رغم استقرارها و تكريسها من قبل المحكمة العليا ،بل أحيانا فإن حتى بعض قرارات هذه الجهة القضائية العليا نفسها صدرت خرقا لما استقر عليه اجتهادها القضائي.
الاجتهاد القضائي la jurisprudence هو مصطلح يعبر عن دأب الجهات القضائية على تطبيق قاعدة قانونية une règle de droitبشكل معين. لتعيين قاعدة قانونية على أنها اجتهادا قضائيا يجب أن تتوفر في الحكم القضائي بعض شروط : التكرار في الزمن و تشابه الحلول التي يحيل إليها هذا الحكم . و مع ذلك و نظرا لفصل السلطات و لمبدأ سلطة الشيء المقضي فيه فإنه لا يجوز للقاضي أن ينشأ مباشرة القانون إذ أن هذه الوظيفة مخصصة للمشرع.
و لكن قد يقع أن يكون القانون صامتا ، مبهما أو ناقصا ، فيما أنه يجب على القاضي الفصل في النزاع المطروح أمامه عن طريق قاعدة قانونية مستخرجة من تفسير أو تكييف نص قانوني ، بل في بعض الحالات قد تكون هذه القاعدة القانونية لا يحكمها أي نص قانوني صريح. القاضي ملزم بالفصل في النزاع ، و إذا امتنع عن الفصل فإن ذلك سيعتبر امتناعا عن الحكم اعتبرته المحكمة عليا عيبا جوهريا و من النظام العام يترتب عليه البطلان. قضت المحكمة العليا أنه يعتبر كامتناع عن الحكم ، قرار المجلس القضائي الذي رفض الدعوى الأصلية على الحال ( القرار الصادر عن الغرفة المدنية القسم الأول بتاريخ 03 أبريل 2001 - ملف رقم 246329 المنشور بالمجلة القضائية لسنة 2002 عدد 1 صفحة 161 ؛ القرار الصادر عن غرفة الأحوال الشخصية بتاريخ 21 نوفمبر 2000 ملف رقم 251660 المنشور بالمجلة القضائية لسنة 2001 عدد 1 صفحة 287) أو الذي يصرف الأطراف لما يروناه مناسبا (القرار الصادر عن الغرفة العقارية الرابعة بتاريخ 23 جوان 2004 ملف رقم 26299 المنشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2007 عدد 1 صفحة 401). أكثر من ذلك فإن القاضي الذي يمتنع عن الفصل في النزاع قد يتعرض لمتابعة جزائية إذا أصر على ذلك رغم تنبيهه و هذا طبقا لأحكام المادة 136 من قانون العقوبات.
كون كثيرا ما يتضمن القانون نصوصا عامة أو مبهمة أو غير دقيقة ، فإن الاجتهاد القضائي هو الذي يضمن المرور من قاعدة مجردة إلى الحالة الملموسة.على سبيل المثال فإن المادة 124 من القانون المدني تنص : " كل فعل أيا كان يرتكبه الشخص بخطئه و يسبب ضررا للغير ،يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض". كون القانون لم يعرف مصطلحات الضرر ( مادي ، معنوي ...) و التعويض و الخطأ فإن القضاة هم الذين عرفوا و حددوا معالم هذه المصطلحات.
كون القانون ليس مادة مجمدة ، فإنه يرجع مبدئيا للمشرع تكييفه مع الوقائع ، و لكن قد يصطدم القاضي عند نظره في دعوى قضائية لفراغ قانوني قبل تدخل المشرع . حتى لا يرتكب عيب الامتناع عن الحكم و يعرض حكمه للبطلان ، فإن القاضي ملزم بالفصل في النزاع المعروض عليه و إعطائه حلا مناسبا ارتكازا على نص قانوني مع إعطائه بعد جديد. في بعض الأحيان ،فإن القاضي يتجاوز مهمة التفسير أو التكييف للقانون. قد يقع أن يكون القانون صامتا في مادة معينة ، ففي هذه الحالة يرجع للأحكام القضائية ملء هذا الفراغ القانوني. و هكذا فإن القاضي ينشأ اجتهادا قضائيا جديدا بارتكازه على نصوص قانونية أخرى و على المبادئ العامة للقانون. و مثال ذلك مسألة طبيعة " العقود الاحتفائية " المنصوص عليها في المادة 324 مكرر 3 من القانون المدني التي تنص : " يتلقى الضابط العمومي، تحت طائلة البطلان ، العقود الاحتفائية ، بحضور شاهدين ".هذه المادة لم تعرف " العقود الاحتفائية " و لم تقدم أمثلة له ، و لكن استقر الاجتهاد القضائي للمحكمة العليا ارتكازا على المبادئ الفقهية العامة و على الاجتهاد القضائي المقارن أن عقد الهبة سواء انصب على عقار أو محل تجاري أو حصص اجتماعية لشركة تجارية هو عقد احتفائي يجب تحريره تحت طائلة البطلان المطلق بحضور شاهدين (القرار الصادر عن الغرفة المدنية القسم الثاني بتاريخ 21 نوفمبر 2007 ملف رقم 389338 المنشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2008 عدد 2 صفحة 159 ؛ القرار الصادر عن الغرفة التجارية بتاريخ 28 أبريل 2022 ملف رقم 1517023 المنشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2022 عدد 1 صفحة 76).
الاجتهاد القضائي له إذا دور متعدد ، فيتدخل حينما يوجد فراغ في التشريع إما بتكييف القانون مع المجتمع ، و إما بتكملته ، و إما بإنشاء مبدأ قضائيا جديدا.
المحكمة العليا هي جهة قضائية في أعلى هرم النظام القضائي العادي و هي التي تضمن توحيد الاجتهاد القضائي ( المادة 179 من الدستور) ، و هي التي تمارس الرقابة على الأوامر و الأحكام و القرارات القضائية من حيث تطبيقها السليم للقانون و احترامها لأشكال و قواعد الإجراءات ( المادة 3 من القانون العضوي رقم 11-12 المؤرخ في 26 جويلية 2012 المحدد لتنظيم المحكمة العليا و عملها و اختصاصاتها). عن طريق رقابة تفسير الجهات القضائية السفلى للقانون تفسيرا سليما ، فإن المحكمة العليا تضمن توحيد الاجتهاد القضائي في الجزائر.
بصفة استثنائية ، قد تتراجع المحكمة العليا عن اجتهادها القضائي في مسألة قانونية معينة مثلا حينما يتغير المجتمع و تقاليده ، و لكن هذا التراجع نادر جدا إذ أن المحكمة العليا تسهر على ضمان استقرار الاجتهاد القضائي لمنح القاضي و المتقاضي على حد سواء مراجع ثابتة و مستقرة.
الاجتهاد القضائي للمحكمة العليا ينشر حاليا عن طريق ﺁليات أهمها المجلة التي تصدرها تحت عنوان " مجلة المحكمة العليا " و هي مجلة دورية تحتوي أبرز قراراتها . الملفت للانتباه أن الموقع الالكتروني للمحكمة العليا يحتوي عدد معتبر من القرارات يرجع بعضها إلى سنة 1989 و يمكن تحميلها و طبعها مجانا. قرارات المحكمة العليا السابقة لسنة 1989 تم نشرها في مجلات قديمة على غرار المجلة القضائية و نشرة القضاة. كذلك قامت المحكمة العليا بمبادر جد إيجابية و مفيدة تمثلت في إعداد دليل في الشكل الالكتروني يمكن الاطلاع عليه في موقعها الرسمي جمعت فيه مبادئ كل قراراتها المنشورة في مختلف المجلات الصادرة عنها ابتداء من سنة 1989 مرتبة بحسب مواضيعها ترتيبا أبجديا مع الإشارة إلى المرجع القانوني المعتمد عليه.
رغم كل الجهود و الآليات التي وضعتها المحكمة العليا بغرض نشر و توحيد الاجتهاد القضائي، فإنه كثيرا ما يتفاجأ ممتهني العمل القضائي و بالخصوص المحامين و الباحثين في الحقل القانوني بصدور أحكام و قرارات تبتعد بشكل متفاوت عن الاجتهاد القضائي الذي استقر عليه قضاء المحكمة العليا ، و هذا طبعا ينعكس سلبا على حقوق المتقاضين و يخلق نوع من اللاستقرار في العمل القضائي ،بل قد يخلق حتى نوع من التشكيك على الأقل في كفاءة من يصدر أحكام أو قرارات تعاكس اجتهادا قضائيا مستقرا دون تقديم بديل مركز و مقنع . من ضمن المبادئ التي يجب أن يحرص عليها القاضي هو مبدأ الأمن القانوني الذي مفاده أنه يجب ضمان قانون مفهوم و سهل المنال و قابل للتنبؤ لكل الخاضعين للقانون، و هو مبدأ منصوص عليه في المادة 34 الفقرة 4 من دستور 2020 التي تنص : " تحقيقا للأمن القانوني ، تسهر الدولة عند وضع التشريع المتعلق بالحقوق و الحريات على ضمان الوصول إليه و وضوحه و استقراره ".
انشغالات ممتهني العمل القضائي حول إشكالية تردد أو تحفظ بعض الجهات القضائية في تطبيق المبادئ التي استقر عليها الاجتهاد القضائي للمحكمة العليا دون تقديم بديل قانوني مقنع لم يخفى على الرئاسة الأولى لهذه الجهة القضائية العليا التي وجدت نفسها ملزمة للتدخل لتذكير القضاة بضرورة احترام ما استقر عليه اجتهادها القضائي.
لهذا الغرض أصدرت الرئاسة الأولى للمحكمة العليا خلال شهر أكتوبر 2024 مذكرة وجهت إلى رؤساء الغرف و رؤساء الأقسام و مستشاري الغرفة المدنية موضوعها توحيد الاجتهاد القضائي المستقر عليه في الغرفة المدنية مع طلب السهر عل احترام و تطبيق المبادئ المكرسة في هذا الاجتهاد القضائي. المبادئ التي تضمنتها هذه المذكرة تخص مسائل و مواد قانونية عديدة و متنوعة نذكر منها مضار الجار و اليمين القضائية و الملكية العقارية و الشفعة و الوعد بالبيع و إجراءات الطعن بالنقض و الاستئناف و انقضاء الخصومة و الاستعجال.
الحلول التي استقر عليها الاجتهاد القضائي للمحكمة العليا ليست طبعا حلول أبدية بل قد تستدعي المحكمة العليا إلى مراجعة موقفها من مسألة قانونية معينة. أسباب التراجع قد تكون خارجية أو داخلية . قد تقرر المحكمة العليا تغيير الاجتهاد القضائي التي استقرت عليه بسبب تأثير الفقه و المحيط الاجتماعي ، أو إذا رغبت في جعل حد لحالات الامتناع عن الحكم أو تخفيف الإجراءات.
إذا كان من ﺁثار المذكرة التي أصدرتها الرئاسة الأولى للمحكمة العليا أن توحد الاجتهاد القضائي في المسائل التي تطرقت لها و ستحث الجهات القضائية السفلى على عدم الانحراف عن هذه المبادئ ، فإن الملاحظ أن هذه المذكرة تضمنت مبدأ قد يعتبر تراجعا عن اجتهادها القضائي القديم و يتعلق الأمر بمسألة ذات أهمية متميزة و هي اكتساب عقار بالحيازة و التقادم المكسب.
مسألة التقادم المكسب التي عالجتها المذكرة الصادرة عن الرئاسة الأولى للمحكمة العليا تتمثل في الإجابة عن هذا السؤال : " هل يجوز المطالبة بالملكية عن طريق التقادم المكسب بموجب دعوى قضائية أم أن التمسك به لا يكون إلا عن طريق الدفع ؟ ". أجابت المذكرة عن هذا السؤال في شطره الأول بالنفي إذ أقرت أن التمسك بالملكية عن طريق التقادم المكسب لا يكون إلا عن طريق دفع.
سببت مذكرة المحكمة العليا هذا المبدأ الذي لا يجيز التمسك بالتقادم المكسب إلا عن طريق دفع بما يلي : " من المقرر قانونا أن إثبات الملكية عن طريق التقادم المكسب يكون إما عن طريق إجراءات التحقيق العقاري وفقا لأحكام القانون رقم 02-07 الصادر بتاريخ 02 فيفري 2007 المتضمن تأسيس إجراء لمعاينة حق الملكية العقارية و تسليم سندات الملكية عن طريق التحقيق العقاري ، و ذلك باللجوء إلى مصالح الحفظ العقاري و تقديم طلب و إتباع الإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون ، و إما عن طريق إثارة الدفع بالتملك عن طريق التقادم المكسب في حالة المنازعة القضائية بشأن العقار المدعى اكتسابه بالتقادم ، و أنه لا يجوز رفع دعوى مستقلة بالادعاء بالملكية عن طريق التقادم المكسب أي إثبات الملكية عن طريق الحيازة كسبب من أسباب كسب الملكية العقارية لأن دور القضاء هو الفصل في منازعة و ليس منح سندات إثبات ملكية و التي تقتضي أن يكون العقار محددا تحديدا كافيا من حيث المساحة و الحدود و التأكد من أن هذا العقار لا يندرج ضمن الأملاك التي لا يجوز تمليكها بالتقادم و منها الأملاك الوقفية و الوطنية و أن مثل هذه الشروط لا يمكن للقاضي الوقوف عليها أو التنازل عنها للخبير بل من مهام الإدارة التي منح لها القانون صلاحيات لذلك و آليات قانونية للحفاظ على الأملاك الوطنية و الدولية و حقوق الغير".
هذا الطرح الذي أقرته مذكرة المحكمة العليا أنشأ نوع من الحيرة في صفوف ممتهني العمل القضائي و خلق تضارب في التفسيرات و الملاحظات التي أبداها بعض المحللين لا سيما في وسط المحامين.
فهم البعض أن هذا المبدأ الذي أقرته المحكمة العليا في مذكرتها و الذي يمنع التمسك بملكية عقار بالتقادم المكسب عن طريق دعوى قضائية مستقلة ، و يجوز فقط الدفع به أثناء سير الخصومة هو تراجع عن اجتهادها القضائي السابق الذي كان لا يميز بين إثارة التقادم المكسب لعقار كدفع من قبل المدعى عليه أو كطلب أصلي من قبل المدعي.
الملاحظ أن هذه المذكرة و عند تطرقها للمواضيع و عرضها للمبادئ التي تخضع لها أشارت إلى مراجع القرارات التي صدرت في هذه المواضيع ، غير أنه بالنسبة لموضوع التقادم المكسب فإنها لم تذكر القرار الذي فصل في هذه المسألة مما يفهم منه أن المبدأ المقرر هو رأي أو موقف اتخذه قسم الوثائق و الدراسات القانونية و القضائية للمحكمة العليا الذي أعد هذه المذكرة المصادق عليها في الاجتماع الذي انعقد بحضور رؤساء الغرف و رؤساء أقسام و مستشاري الغرفة المدنية للمحكمة العليا المكلفين بإعداد الدراسات و صيانة المبادئ.
للإلمام بكل جوانب التقادم المكسب فإنه يجب الانطلاق من حالة واقعية لدعوى تطرح أمام المحكمة تثير مسألة الاحتجاج بملكية عقار عن طريق الحيازة و التقادم المكسب.
المبدأ في كل التشريعات أن الدعوى القضائية المعروضة أمام قاضي الموضوع لا تكون مقبولة إلا إذا كان الأمر يتعلق بعرض نزاع نشأ بين أطراف هذه الدعوى و يكون لكلا طرفي الدعوى ( المدعي و المدعى عليه) الصفة و المصلحة. حينما يبادر شخص في رفع دعوى أمام المحكمة فهذا يعني بالضرورة أنه يلتمس حماية حق شخصي أو عيني فهذه الدعوى ترفع ممن اعتدي على حقه ( المدعي صاحب الصفة و المصلحة ) ضد من قام بهذا التعدي ( المدعى عليه). عمليا ففي دعاوى التعدي على الملكية العقارية قد يقع أن يكون شخص حائزا لعقار ( مثلا قطعة أرضية ) حيازة صحيحة مستوفاة لكل شروطها و منذ مدة طويلة تزيد عن 15 سنة دون أن تكون له سندات ملكية، ثم يقوم شخص أجنبي بالتعدي و الاستيلاء على جزء من هذه القطعة الأرضية ، و على إثر ذلك يبادر الأول برفع دعوى ضد الثاني يطلب فيها من المحكمة إلزام هذا الأخير برفع اليد و التخلي عن الجزء المستولى عليه. كون المدعي حائز فقط للقطعة الأرضية المعتدى عليها و لا يملك سندات رسمية، فإنه سيتمسك أمام المحكمة بملكيته لهذه القطعة عن طريق الحيازة و التقادم المكسب.
في هذا المثال و إذا أثبت المدعي أنه فعلا كان حائزا للقطعة الأرضية التي اعتدى عليها خصمه حيازة صحيحة لمدة تزيد عن 15 سنة و استولى هذا الأخير على جزء منها فهل تستجيب المحكمة إلى طلبه بجعل حد لهذا التعدي مع إلزام المدعى عليه برفع اليد و التخلي عن الجزء المستولي عليه ارتكازا على التقادم المكسب؟
هناك من قرأ نص المذكرة في البند المتعلق بموضوع التقادم المكسب على أن مثل هذه الدعوى هي دعوى غير مؤسسة كون التقادم المكسب لم يثار عن طريق دفع و لكن أثاره المدعي كطلب أصلي.
هذا التفسير الذي أعطاه بعض المحللين للاجتهاد القضائي الوارد في مذكرة المحكمة العليا و الذي مفاده أنه لا يجوز التمسك بالتقادم المكسب بموجب دعوى قضائية مستقلة مرده الغموض المتصل بهذا النص. نص المذكرة الذي عالج مسألة التقادم المكسب لم يرفق بقرار المحكمة العليا الذي فصل في هذه المسألة الشيء الذي حال دون مراقبة نوع الطلب الذي قدم أمام محكمة الدرجة الأولى و ممن قدم، هل من طرف المدعي أم من طرف المدعى عليه. في المثال الذي عرضناه فإذا كان الطلب الذي قدمه المدعي للمحكمة للفصل فيه هو الاعتراف له بملكية القطعة الأرضية المعتدى عليها مع التماس تثبيت ملكيته حتى يصبح الحكم الصادر كسند ملكية فإنه لا شك أن هذا الطلب يكون غير مقبول كون موضوع الدعوى الأصلية ليس تثبيت ملكية القطعة الأرضية للمدعي و لكن موضوعها هو طلب إلزام المدعى عليه برفع اليد و التخلي عن الجزء من هذه القطعة الأرضية المعتدى عليها. إذا قضى القاضي بذلك وأمر بطرد المدعى عليه فإن الحكم الذي يصدره لا يعد سند ملكية ذو حجية مطلقة لأن الأحكام القضائية لها حجية نسبية فقط بمعنى أن آثارها تقتصر على أطراف الخصومة. و مع ذلك سنرى أنه نظريا لا يوجد ما يمنع القاضي أن يعاين و يثبت في حكمه ملكية المدعي للعقار محل النزاع بالتقادم المكسب ، مع القول أن حكمه يقوم مقام السند الرسمي بعد شهره.
إذا فسر التسبيب الوارد في مذكرة المحكمة العليا في هذا الاتجاه أي أن المدعي يطلب في غياب منازعة من القاضي تثبيت ملكيته لعقار بالتقادم المكسب و القول أن الحكم الصادر يقوم مقام سند ملكية فإن ذلك لا يثير أي إشكال ، و لكن إذا مدد هذا التسبيب للحالة التي يطلب فيها المدعي إلزام المدعى عليه برفع اليد و التخلي عن القطعة الأرضية التي استولى عليها مؤسسا طلبه على ملكيته لهذا العقار بالتقادم المكسب ، فإن هذا الاجتهاد القضائي يكون في نظرنا غير مستقيم و قابل للنقاش.
كسب عقار أو حق عيني عن طريق التقادم المكسب منصوص عليه في المادة 827 من القانون المدني التي تنص : " من حاز منقولا أو عقارا أو حقا عينيا منقولا كان أو عقارا دون ان يكون مالكا له أو خاصا به ، صار له ذلك ملكا إذا استمرت حيازته له مدة خمسة عشر سنة بدون انقطاع " .هذا النص يقر هذه القاعدة بدون أي تمييز بالنسبة لمن يحق له التمسك بها ، فلو ثبت أن شخص تتوفر فيه شروط الحيازة و التقادم المكسب أي الحيازة التي دامت أكثر من 15 سنة و مستوفاة لشروط المادة 524 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أي حيازة هادئة و علنية و مستمرة لا يشوبها انقطاع و غير مؤقتة و دون لبس، فإنه يصبح مالكا للعقار الذي يحوزه كأن له سند رسمي فيمكن له حينئذ درء أي مساس بهذا العقار و يحق له اللجوء إلى القضاء.
لم يقع أن ميزت المحكمة العليا في قراراتها بين إثارة التقادم المكسب عن طريق طلب أصلي أو عن طريق دفع ، و اعتادت الفصل في قضايا أثيرت فيها هذه المسألة من طرف المدعي الأصلي دون أي إشكال.
في الواقع فإن الارتباك في تفسير موقف المحكمة العليا قد يرجع إلى احتواى المذكرة لمصطلح " الدفع " الذي ورد في النص على هذا الشكل : " هل يجوز المطالبة بالملكية عن طريق التقادم المكسب بموجب دعوى قضائية أم أن التمسك به لا يكون إلا عن طريق دفع ؟ "
في الإجراءات المدنية فإن مصطلح " الدفع " l’exception له معنى دقيق ، فهو الوسيلة التي يرمي من خلالها أحد أطراف الخصومة و عموما المدعى عليه إلى إيقاف سير الخصومة بصورة مؤقتة دون المساس بالموضوع ( المادة 49 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ). و هذه الدفوع تتمثل أساسا في الدفع بعدم الاختصاص ( م 51 من ق.إ.م.إ.) و الدفع بوحدة الموضوع و الارتباط ( م 53 ق.إ.م.إ.) ) و الدفع بإرجاء الفصل ( م 59 من ق.إ.م.إ.) و الدفع بالبطلان ( م 60 من ق.إ.م.إ.) و الدفع بتدخل الضامن ( م 203 من ق.إ.م.إ.).
في الواقع فإنه يجب التمييز بين الدفع و الدفاع في الموضوع و الوسيلة . الوسيلة التي يثيرها المدعى عليه في مواجهة المدعي المأخوذة من ملكيته للعقار محل النزاع بالحيازة و التقادم المكسب ليست دفعا بل هي دفاع في الموضوع و الفرق بينها أن الدفع يثار قبل أي دفاع في الموضوع تحت طائلة عدم القبول ،و أما الدفاع في الموضوع فإنه يجوز إثارته في أي حالة كانت عليها الدعوى و لو لأول مرة في الاستئناف (قرار المحكمة العليا المؤرخ في 21 سبتمبر1992 ملف رقم 88087 - منشور بنشرة القضاة لسنة 1993 - عدد 4- صفحة 118).
كون التمسك بالتقادم المكسب هو وسيلة و دفاع في الموضوع و ليس دفعا فإنه يجوز إثارته كطلب أصلي من قبل المدعى في دعوى مستقلة. ما استقر عليه القضاء في مجال اكتساب عقار عن طريق التقادم المكسب أنه في حالة ما قدم المدعى عليه دفاعا مأخوذا من ملكيته للعقار محل النزاع بالتقادم المكسب و طلب الإشهاد له بذلك فأصبحت هذه الوسيلة بمثابة طلب مقابل ، فإن المحكمة تكون ملزمة للتحقيق و الفصل في مسألة التقادم المكسب ، و إذا ثبت توفر شروطه فإن القاضي يعطي إشهادا للمدعى عليه عن ذلك و حينئذ فإن الحكم الصادر سيتضمن حيثية مستقلة يعاين فيها القاضي ملكية المدعى عليه للعقار محل النزاع بالتقادم.
يجب في نظرنا قراءة نص المذكرة الذي عالج مسألة التقادم المكسب في هذا الاتجاه ، أي أنه يمنع فقط رفع دعوى بغرض تثبيت ملكية عقار يقدم على شكل طلب أصلي خارج أي منازعة و يرمي إلى استصدار حكم يقوم مقام السند الرسمي ، و عدم تفسيره على أنه يمنع رفع دعوى مستقلة من طرف من سلب منه عقار اكتسبه بالحيازة و التقادم المكسب ترفع ضد المعتدي و يطلب فيها إلزام خصمه المعتدي برفع اليد و التخلي عن هذا العقار.
ما يدعم أكثر جواز رفع دعوى ممن سلب منه عقار و تمسك بملكيته عن طريق الحيازة و التقادم المكسب هو أن القانون يجيز بنصوص صريحة رفع دعوى الحيازة في أنواعها الثلاثة ( دعوى منع التعرض ، دعوى وقف الأعمال الجديدة ، دعوى استرداد الحيازة - المواد من 87 إلى 826 من القانون المدني و 524 إلى 53 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ) . فإذا كان يجوز رفع دعوى قضائية مستقلة من قبل المدعي يطلب فيها حماية عقار يوجد في حيازته و ليس له عليه سند و هي الحيازة التي تستلزم فقط الحيازة لمدة سنة، فإنه من البديهي أن مثل هذه الدعوى تكون مقبولة إذا رفعت ممن حاز عقار لمدة أطول تحولت بموجبها هذه الحيازة إلى الحيازة التي تؤدي إلى التقادم المكسب.
مسألة التقادم المكسب Prescription acquisitive ou usucapion كانت محل اهتمام و دراسات عديدة في كل البلدان و يرجع مصدرها إلى القانون الروماني. الفقه في الدول العربية متفق على أن العقارات تكتسب كذلك بالحيازة و التقادم و أن هذا التقادم يجوز التمسك به عن طريق الدفع أو عن طريق الدعوى على السواء ،و أن التقادم المكسب لا يكسب الحائز مجرد دفع بل يعطيه حق الدعوى (عبد الرزاق السنهوري ، عبد الفتاح عبد الباقي ، عبد المنعم فرج الصده ...).
في فرنسا التي لها تشريع مماثل للتشريع الجزائري في مجال التقادم المكسب ( المواد من 2258 الى 2277 من القانون المدني الفرنسي) ، فإنه يوجد إجماع بين الفقهاء و في الاجتهاد القضائي لا فقط على أن التقادم المكسب يثار عن طريق دفع أو عن طريق دعوى دون تمييز ، و لكن يجيز كذلك القاضي بتثبيت و معاينة اكتساب العقار بالتقادم المكسب في دعوى قضائية يرفعها المدعي مع تمكين هذا الأخير بإشهار الحكم . فمثلا فإن كلا من محكمة باريس و محكمة فرساي الفرنسيتين و على غرار باقي المحاكم أصدرتا أحكام عاينتا و ثبتتا فيها أن المدعي له صفة المالك للقطعة الأرضية محل النزاع بالتقادم المكسب مع القول أن الحكم الصادر يقوم مقام سند الملكية و ينشر من طرف المدعي لدى المصلحة المكلفة بالشهر العقاري لمقر العقار .
و أما محكمة النقض الفرنسية فإنها استقرت على أنه يجوز لمن حاز عقارا أو حقا عينيا عقاريا أن يدعي بملكيته عن طريق التقادم المكسب ، و تبعا لذلك فإنه يكون مؤسس في رفع دعوى الاستحقاق ضد من اعتدى على هذا العقار أو الحق العيني. ارتكازا على هذا المبدأ المستقر فإنها قضت مثلا أنه من حاز حيازة أدت إلى تقادم لشريط من الأرض يفصل بين ملكيته و ملكية جاره أن يرفع دعوى استحقاق هذا الممر مع طلب إلزام المعتدي بإرجاع الأماكن إلى الحالة التي كانت عليها (الغرفة المدنية الثالثة - قرار بتاريخ 09 أبريل 2013 - طعن رقم 516-13-12) ، و أن الملكية تكتسب بالتقادم الذي هو طريق من طرق اكتساب مال أو حق بموجب الحيازة و أن نصوص التقادم المكسب ليست مخصصة فقط للأشخاص الطبيعيين بل يمكن التمسك بها من طرف الأشخاص العموميين إذا توفرت فيهم شروط الحيازة ( (الغرفة المدنية الثالثة - قرار بتاريخ 04 جانفي 2023 - طعن رقم 21-18-993 ). في قرار ﺁخر قضت محكمة النقض الفرنسية أنه يجوز مباشرة دعوى استحقاق قطعة أرضية عن طريق التقادم المكسب ممن حاز هذه القطعة و قام بتسييجها و صيانتها منذ مدة طويلة مع استظهاره لشهادات صادرة عن أشخاص أكدوا هذه الحيازة (الغرفة المدنية الثالثة - قرار بتاريخ 24 سبتمبر 2020 - طعن رقم 15-499-19 2020) .
المشكل أن بعض الجهات القضائية السفلى نهجت مؤخرا طريق التفسير الخاطئ في نظرنا لنص المذكرة ، إذ أصبحت ترفض الدعاوى المرفوعة من قبل المدعي الذي تمسك بملكيته لعقار بالحيازة و التقادم المكسب و طلب طرد المدعى عليه الذي استولى على عقاره بالقوة .فمحكمة بجاية مثلا أصدرت مؤخرا حكم قضى برفض دعوى المدعي الذي ادعى أن خصمه المدعى عليه استولى على جزء من قطعة أرضية ملك له كسبها عن طريق الحيازة و التقادم المكسب مع تقديمه مستندات تثبت قطعيا صحة هذه الحيازة ، و في هذا الحكم أسست المحكمة قضائها على نفس الأسباب الواردة في نص المذكرة أي أن التقادم المكسب يجب أن يقدم عن طريق دفع و ليس عن طريق دعوى قضائية مستقلة و أن التحقيق العقاري عن طريق المحافظة العقارية هو الإجراء الوحيد الذي يسمح بإثبات ملكية العقارات.
الملاحظ أن الاجتهاد القضائي الوارد في المذكرة صدر عن الغرف المدنية للمحكمة العليا و هو موجه لهذه الغرف فيما أن الغرف العقارية التي هي المعنية قبل الغرف المدنية بالفصل في المنازعات العقارية ، لا سيما المنازعات التي تثير مسألة ملكية عقار عن طريق الحيازة و التقادم المكسب فإنها أصدرت قرارات في قضايا أثيرت فيها هذه المسألة من قبل طاعن كان مدعي في الدعوى الأصلية أمام محكمة الدرجة الأولى فقضت أن التمسك بالتقادم المكسب هو طريق من طرق اكتساب الملكية و بإمكان أي طرف أن يثبت ملكيته بهذه الوسيلة القانونية عند توفر شروط الحيازة ( مثلا القرار المؤرخ في 13 مارس 2014 - ملف رقم 835419 - منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2014 – عدد 1 – صفحة 360 ؛ القرار المؤرخ في 15 أكتوبر 2022 - ملف رقم 479371 - منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2008– عدد 2 – صفحة 273). من جهتها فإن غرفة شؤون الأسرة و المواريث نهجت نفس القضاء الذي نهجته الغرفة العقارية ، ففي طعن بالنقض في قضية أثيرت فيها مسألة التقادم المكسب من قبل طرف كان مدعي في الدعوى الأصلية أمام المحكمة ، فإنها قضت بأن رفض الدعوى الرامية إلى اكتساب عقار بالحيازة و التقادم هو قضاء مخالف للقانون متى ثبت توفر شروط هذا التقادم (قرار مؤرخ في 18 جوان 1991 - ملف رقم 72055 – منشور في المجلة الضائية لسنة 1993 – عدد 3 – صفحة 72).
كون الاجتهاد القضائي الذي ورد في مذكرة المحكمة العليا قد يفسر على أنه لا يجيز التمسك بالتقادم المكسب من طرف المدعي في دعوى مستقلة و يكون له صدى أمام الجهات القضائية السفلي كما كان الحال أمام محكمة بجاية ، فإنه أضحى من الضروري إعادة النظر في هذا الاجتهاد القضائي للغرف المدنية بتثبيته أو بمراجعته و لكن بعد وقوع إجماع على ذلك من قبل كل غرف المحكمة العليا .
يوجد في التشريع الجزائري آلية قانونية خاصة يمكن اللجوء إليها لتوحيد الاجتهاد القضائي بصفة نهائية و فعالة في مسألة التقادم المكسب و طرق الدفع به ، و هو عرض الفصل فيها على الغرف الموسعة للمحكمة العليا ( الغرفة المختلطة أو الغرف المجتمعة ) و ذلك عندما تطرح مستقبلا قضية تثار فيها مسألة التقادم المكسب. هذه الآلية منصوص عليها في المادتين 15 و 18 من القانون العضوي رقم 11-12 المؤرخ في 26/07/2011 المحدد لتنظيم المحكمة العابيا و عملها و اختصاصاتها و كذا المواد من 57 إلى 63 من النظام الداخلي للمحكمة العليا.
اللجوء إلى الغرف المختلطة أو إلى الغرف المجمعة أصبح ضروريا لا فقط في موضوع الحيازة و التقادم المكسب و طريقة إثارته و لكن كذلك في بعض المسائل الأخرى التي صدر فيها اجتهادا قضائيا متضاربا.
قابلية اكتساب الحقوق العينية أو العقارية الميراثية بالتقادم من عدمه مثلا أنشأ تضاربا في موقف المحكمة العليا من هذه المسألة. المادة 829 من القانون المدني تنص صراحة أنه : " لا تكسب بالتقادم في جميع الأحوال الحقوق الميراثية ، إلا إذا دامت الحيازة ثلاثا و ثلاثون سنة ". يفهم من هذا النص أن الحقوق الميراثية تتقادم مثلها مثل كل الحقوق العينية أو العقارية و لكن بعد انقضاء مدة أطول حددها المشرع بثلاثة و ثلاثين سنة التي تسري ابتداء من تاريخ افتتاح التركة الموافق لتاريخ وفاة الوارث. المحكمة العليا و بعد أن ثبتت قاعدة قابلية الحقوق الميراثية للتقادم المكسب ( مثلا قرار للمحكمة العليا ، الغرفة المدنية ، 06 ماي 1987 - ملف رقم 40944 – منشور في المجلة القضائية لسنة 1991 - عدد 3 - صفحة 15) و أن هذا التقادم يسري بغض النظر عن الدفع بالمانع الأدبي الذي قد يثيره الوارث في مواجهة خصمه الذي يدفع بالتقادم ( قرار للمحكمة العليا ، الغرفة العقارية ، 17 جانفي 2007 - ملف رقم 38465 - منشور في المجلة القضائية لسنة 2007 - عدد 2- صفحة 401) ، فإنها تراجعت عن هذا القضاء فيما بعد و اعتبرت أن التركة لا تسقط بالتقادم (قرار للمحكمة العليا - الغرفة العقارية - 31 جويلية 2000 ملف رقم 197177- منشور بالمجلة القضائية بالمجلة القضائية لسنة 2001- عدد 1 - صفحة 245 ؛ غرفة شؤون الأسرة و المواريث 07 ديسمبر 2016 - ملف رقم 1034319- منشور في مجلة المحكمة العليا لسنة 2016 - عدد 2 - صفحة 193 ).
في قرارات أخرى فإن المحكمة العليا حاولت معالجة مسألة تقادم الحقوق الميراثية بمرونة دون منع التقادم المكسب لهذه الحقوق بصورة مطلقة إذ ألزمت فقط قضاة الموضوع على البحث بتأني في توفر شروط و عناصر الحيازة، و كذا البحث في توفر المانع الأدبي من عدمه إذا أثير من قبل الوارث الذي يطالب بنصيبه من التركة خارج أجل الثلاثة و الثلاثون سنة المنصوص عليه في المادة 829 من القانون المدني. ففي قرار صدر عن غرفة شؤون الأسرة و المواريث مؤرخ في 09 جوان 2011 ، ملف رقم 629657 ( قرار منشور في مجلة المحكمة العليا لسنة 2011 – عدد1 – صفحة 266 ) ، شرحت المحكمة العليا بوفرة مسألة تقادم الحقوق الميراثية بالحيازة إذ قضت بما يلي: " حيث أنه من الشروط الواجب توافرها لاكتساب الحق بالتقادم أن تكون الحيازة قانونية مستوفية لعنصريها المادي و المعنوي و خالية من العيوب التي يمكن أن تشوبها خاصة منها الإكراه أو الإخفاء أو اللبس ، و يكون واجبا على صاحب المصلحة الذي يتمسك بهذا الحق إثبات حيازته الفعلية مستوفاة لهذه الشروط و بخاصة إثبات أن وضع اليد كان وضعا فعليا ظاهرا و مستمرا و غير غامض و هادئا و لا يعد من رخص التسامح و بنية التملك للمدة المقررة،كما يكون قضاة الموضوع ملزمين بإبراز هذه الشروط و العناصر في قرارهم وصولا بذلك إلى إثبات الحيازة بعناصرها و شروطها من عدمه و عدم الاكتفاء فقط بحساب المدة حسبما ذهب إلى ذلك قضاة الموضوع و دون التأكد من استيفاء الدفع لباقي الشروط و بالخصوص ما نصت عليه المادة 808 من القانون المدني من أن الحيازة لا تقوم على عمل من أعمال التسامح لأن الغير الذي اعتدى على حقه إذا ترك المعتدي تسامحا يستغل حقوقه بصفة صريحة أو ضمنية فإن هذا الاستغلال الذي يباشره مدعي الحيازة بموجب ترخيص أو تسامح لا يمكنه الادعاء بقصد الظهور بمظهر صاحب حق عيني على الشيء فينتفي معه العنصر المعنوي و لا يعتبر حائزا ، فضلا على أن استيلاء بعض الورثة على أعيان التركة بعد وفاة المورث قد لا يتضح معه الأمر فيما إذا كان الذي استولى على التركة يحوزها لحساب نفسه فقط أم لحساب نفسه و لحساب باقي الورثة و تكون حيازته بذلك مشوبة بعيب اللبس و لا تؤدي إلى كسب الحق بالتقادم "
لا شك أن تضارب قرارات المحكمة العليا حول مسألة جواز الدفع بالتقادم المكسب في الحقوق الميراثية من عدمه له كذلك أثر سلبي على مآل هذا النوع من المنازعات ، و لذلك فقد أصبح تدخل الغرف المجتمعة للمحكمة العليا ضروريا لتوحيد الاجتهاد المتذبذب في هذا المجال. و مع ذلك رأينا أن الاجتهاد القضائي الذي لا يجيز الدفع بالتقادم المكسب في الحقوق الميراثية بحجة وجود مانع أدبي بسبب القرابة هو قضاء ضعيف لا يستقيم مع روح القانون لا سيما مع المادة 829 من القانون المدني التي تنص صراحة على تقادم الحقوق الميراثية .فهذا الاجتهاد القضائي يكون بمثابة إبطال مفعول هذه المادة و تحويل الحقوق الميراثية إلى حقوق أبدية. موقفنا هذا نهجته كذلك الغرفة العقارية للمحكمة العليا في قرار مؤرخ في 17 جانفي 2007 رقم 38465 المشار إليه أعلاه الذي مفاده أن المانع الأدبي لا يؤثر على تقادم الحقوق الميراثية.
هذا التضارب في موقف المحكمة العليا بالنسيبة لتقادم الحقوق الميراثية تكرر بالنسبة لقابلية العقارات الممسوحة و التي لها دفتر عقاري للتقادم المكسب و هي المسألة التي فصلت فيها الغرفة العقارية للمحكمة العليا في قرار مؤرخ في 14 جانفي 2021 ملف رقم 1206937 ( قرار منشور بالموقع الرسمي للمحكمة العليا) .هذا القرار الذي أقر عدم قابلية العقار الممسوح الذي تحصل مالكه على دفتر عقاري للتقادم المكسب يتضارب مع اجتهاد المحكمة العليا السابق المكرس في قرار مؤرخ 16 جويلية 2008، ملف رقم 423832 (قرار منشور في مجلة المحكمة العليا لسنة 2010 – عدد خاص – الجزء 3 - – صفحة 274 ) الذي قضى بأنه لا يمنع توفر العقار على دفتر عقاري من اكتسابه بالتقادم.
مسألة قبول الدفع بالتقادم المكسب في مواجهة العقود التي أنجزت في إطار عمليات المسح أو في مواجهة دفتر عقاري و بالنظر إلى تضارب قضاء المحكمة العليا إذ بعض قراراتها تجيزه و بعض الآخر تمنعه ، فإنه أصبح من الضروري هنا كذلك توحيد الاجتهاد القضائي حول هذه المسألة ، و قد يتأتى ذلك عن طريق الفصل في هذه المسألة من طرف الغرف المجتمعة أو الغرفة المختلطة. في منشور سابق قدمنا موقفنا من هذه المسألة و هو أن التقادم المكسب يسري في مواجهة كل العقارات بما فيها العقارات الممسوحة أو التي لها دفتر عقاري.
كذلك فإن المذكرة الصادرة عن الرئاسة الأولي للمحكمة العليا التي ترمي إلى توحيد الاجتهاد القضائي و التي يجب تثمينها و يرجى توسيعها لكل غرف المحكمة العليا تثير مسألة تصنيف و ترميز قراراتها. في مقال سابق نشرناه على هذا الموقع تطرقنا بإسهاب إلى هذه المسالة. الصورة المثالية هي أن تفصل المحكمة العليا ( و مجلس الدولة في المواد الإدارية) في المواد التي تتسم ببعض التعقيد أو التي شهدت تضاربا في الاجتهاد القضائي عن طريق الغرف المجتمعة. حينئذ فإن هذه القرارات الصادرة عن الغرف المجتمعة ستكتسي طابع الاجتهاد القضائي بامتياز يمنع على الجهات القضائية السفلى الحكم خلاف ما أقرته هذه الغرف المجتمعة. بعض الأنظمة القضائية تصنف القرارات الصادرة عن الجهة القضائية الموجودة على هرم النظام القضائي تصنيفا متصاعدا حسب الرمز المخصص له. في فرنسا مثلا فإن قرارات محكمة النقض تصنف بأربعة رموز B R L C ، فالقرارات التي تحمل رمز B هي قرارات لها بعد معياري متميز تعتبر اجتهادا قضائيا بامتياز و تكون محل نشر في مجلة محكمة النقض، كما أنها تنشر فورا في الموقع الرسمي لهذه المحكمة. و أما باقي القرارات فإنها تبث في منشورات أخرى و تكون عادة مصحوبة بتعاليق.
نظام ترميز قرارات المحكمة العليا لم يتم بعد تقنينه في الجزائر ، و لذلك فإن القرارات التي تعتبرها المحكمة العليا كقرارات مبدئية بامتياز أي اجتهادا قضائيا يلزم كل القضاة دون استثناء هي القرارات التي تنشر في مجلتها " مجلة المحكمة العليا". بعض القرارات و فضلا عن نشرها في مجلة المحكمة العليا ، فإنها تنشر كذلك في الموقع الرسمي للمحكمة العليا و هذا يعني أن هذا النوع من القرارات التي خضعت لنشر مزدوج تحوز درجة و حجية متفوقة و تعتبر بمثابة تكملة للنص القانوني الناقص أو المبهم الذي ارتكزت عليه . فعلى سبيل المثال فإن قرار المحكمة العليا المؤرخ في 28 أبريل 2022 ملف رقم 1517023 السالف الذكر الذي قضى بأن عقد الهبة المحرر أمام الموثق سواء انصب على عقار أو محل تجاري أو حصص اجتماعية لشركة تجارية هو عقد احتفائي بمفهوم المادة 324 مكرر 3 من القانون المدني فيجب حينئذ تحريره تحت طائلة البطلان المطلق بحضور شاهدين ، هو قرار نشر في مجلة المحكمة العليا و في الموقع الرسمي للمحكمة العليا و من ثمة فإنه حاز صفة الاجتهاد القضائي المستقر بامتياز.
الموضوع 2- قرارات المحكمة العلياالمنشورة خلال سنة 2024 مع التعليق عليها
صدر عن المحكمة العليا آخر المجلات التي اعتادت نشرها " مجلة المحكمة العليا " تضمنت قرارات ملفتة للانتباه فصلت في مسائل قانونية و إجرائية ذات أهمية متميزة و يتعلق الأمر بالعدد الثاني لسنة 2022 و العدد الأول لسنة 2023 ، و هتين المجلتين متوفرتين على الموقع الالكتروني للمحكمة العليا.
- المسؤولية الطبية
في مجال المسؤولية الطبية الناتجة عن الخطأ قضت المحكمة العليا (قرار بتاريخ 17 أكتوبر 2022، ملف رقم 1483290) أن العيادة الطبية تتحمل المسؤولية عن الأضرار المادية و الجمالية و أضرار التألم الناتجة عن عملية جراحية أجرتها لمريض مصاب بداء السكري رغم علمها بوضعه الصحي الذي قد يشكل عائقا على نجاحها . في هذا الملف يتعلق الأمر بعيادة طبية أجرت عملية تركيب طاقم أسنان على شخص تسبب في تعفن الفك العلوي لفمه أدى إلى سقوط عدة أسنان مزروعة. الخبرة التي أمرت بها الجهة القضائية عاينت أن العيادة التي أجرت العملية كانت على دراية بمرض السكري الذي كان يعاني منه المعني و كان بإمكانها تفادي إجراء عملية تركيب طاقم الأسنان الذي كان سببا في تعفن الفم.
الملفت للانتباه أن المحكمة العليا و بصفة عرضية حملت العيادة الطبية خطأ عدم إعلامها مسبقا المريض بالتداعيات الصحية المحتملة في حالة إجراء له عملية تركيب طاقم الأسنان و هو الالتزام بالإعلام المنصوص عليه في المادة 23 من القانون قم 18-11 المؤرخ في 02/07/2018 المتعلق بالصحة التي تنص : " يجب إعلام كل شخص بشأن حالته الصحية و العلاج الذي تتطلبه و الأخطار التي يتعرض لها " .
- حجية العقود القديمة المبرمة قبل الاستقلال.
في مجال حجية و نفاذ العقود القديمة المحررة قبل الاستقلال من طرف السلطات القضائية التي كانت قائمة آنذاك و التي ألغيت بعد الاستقلال (القاضي الشرعي ، عادل ، باش عادل )، فإن المحكمة العليا كرست قضائها السابق الذي مفاده أن العقود المحررة من طرف القضاة الشرعيين لا سيما تلك التي تثبت ملكية عقار أو حق عيني هي عقود رسمية صالحة لإثبات الملكية (قرار بتاريخ 25 فيفري 2004 ، ملف رقم 264528 – راجع التعليق على هذا القرار على هذا الموقع تحت عنوان "حجية عقود نقل ملكية العقاريات أو الحقوق العينية العقارية المحررة قبل الاستقلال قبل الاستقلال ". في قرارها الصادر مؤخرا ( قرار بتاريخ 8 سبتمبر 2022، ملف رقم 1352771 ) جعلت المحكمة العليا حدا لموقف بعض الجهات القضائية التي تستبعد هذا النوع من العقود بحجة أنها غير دقيقة ولا تحدد بدقة حدود و مساحة العقار المشمول بهذه العقود . نقضت المحكمة العليا و أبطلت قرار صادر عن مجلس قضاء تيزي وزو الذي استبعد عقود محررة قبل الاستقلال من طرف قضاة شرعيين احتج بها المدعي لإثبات ملكيته لعقار و ذلك بسبب أنه استحال تطبيق هذه العقود في الميدان لعدم ذكرها مساحة و حدود القطعة الأرضية محل النزاع و هذا ما يجعل حسب قضاة المجلس هذه العقارات غير محددة تحديدا كافيا فيصعب معه تحديد الاعتداء من عدمه.
المحكمة العليا نقضت و أبطلب قرار مجلس قضاء تيزي وزو و اعتبرته مخالف للقانون إذ قضت أنه ما دام دعوى استحقاق الملكية المرفوعة من قبل الطاعن تستند إلى عقود محررة من طرف قضاة شرعيين فإنه يجب على الجهة القضائية الأخذ بها كونها عقود رسمية صحيحة و منتجة لجميع ﺁثارها القانونية في إثبات ملكية العقار كما قضت أنه في حالة ما إذا كانت هذه العقود غير دقيقة بالنسبة لموقع العقار و مواصفاته فإنه يرجع للقاضي عند الضرورة الأمر بأي إجراء من إجراءات التحقيق من شأنه تحديد مكان وجود العقار و هل هو نفسه العقار المبين في العقد لا سيما تعيين خبير أو إجراء تحقيق . المبدأ الذي اعتمدته المحكمة العليا في قرارها المؤرخ في 08 سبتمبر 2022 الذي احتوى فرعين و الذي ورد على رأس هذا القرار ورد في هذا الشكل :" تعد العقود المحررة من طرف القضاة الشرعيين عقودا رسمية صالحة لإثبات الملكية - متى كانت الملكية مجسدة في عقود رسمية صحيحة يتعين على قضاة الموضوع الفصل في النزاع المعروض عليهم و تقرير لمن تعود الملكية المتنازع عليها بناء على العقود و الأدلة المعروضة عليهم ".
- عقود البيع المبرمة في إطار الترقية العقارية : عقد البيع – عقد حفظ الحق – عقد البيع على التصاميم
استدعيت المحكمة العليا للفصل في إشكالية طبيعة و ﺁثار عقد البيع عل التصاميم لبناية أو جزء من بناية مقررة بنائها أو في طور البناء المبرم بين المرقي العقاري و المكتتب و ذلك في إطار أحكام القانون رقم 11-04 المؤرخ في 17 فيفري 2011 المحدد للقواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية.
نص القانون رقم 11 -04 المؤرخ في 17 فيفري 2011 المحدد للقواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية على عدة طرق لبيع عقار من قبل مرقي عقاري . قد يتعلق الأمر ببيع عقار مبني أو ببيع بناية أو جزء من بناية مقرر بنائها أو في طور البناء . يجب أن تكون جميع طرق البيع هذه موضوع عقد مححر في شكل رسمي أي عقد محرر من طرف موثق مسجل و مشهر بالمحافظة العقارية.
أولا يمكن للمرقي العقاري الذي أكمل بناء مجمع عقاري وحاصل على شهادة المطابقة تطبيقا لأحكام المادة 25 من القانون رقم 04-11 أن يبرم عقد بيع contrat de vente مع المقتني مقابل تسديد سعر البيع المتفق عليه . في هذه الحالة يتم تحرير عقد البيع في الشكل الرسمي أي أمام موثق. و شهر عقد البيع بالمحافظة العقارية يستتبع نقل ملكية العقار . حتى بعد حيازة المقتني للعقار و تسليم شهادة المطابقة يبقى المرقي العقاري مسئولا بموجب المادة 26 من القانون رقم 11-04 لمدة 10 سنوات من تاريخ استلام البناية من قبل المشتري عن التهدم الكلي أو الجزئي للبناية و لو كان التهدم ناشئا عن عيب في الأرض و هذا الضمان الذي نصت عليه أيضاً المادة 554 من القانون المدني و المادة 30 من المرسوم التنفيذي رقم 12-85 المؤرخ في 20 فيفري 2012 الذي يحدد الالتزامات و المسئوليات المهنية للمرقي العقاري يمتد إلى ما يوجد في البناية من عيوب يترتب عليها تهديد متانة البناية و سلامتها. و يبقى المرقي العقاري ملزم بضمان الإنهاء الكامل لأشغال انجاز العقار التي التزم بها طيلة سنة واحدة .
ثانيا يمكن للأطراف في بيع عقار منجز من قبل مرقي عقاري أن يلجئوا إلى سن عقد حفظ الحق contrat de réservation المنصوص عليه بالمادة 27 من القانون رقم 11-04 . عقد حفظ الحق هو العقد الذي يلزم بموجبه المرقي العقاري بتسليم العقار المقرر بنائه أو في طور البناء ، لصاحب الحق ، فور إنهائه، مقابل تسبيق يدفعه هذا الأخير. و هذا التسبيق المدفوع من طرف صاحب حفظ الحق لا يدفع مباشر في حساب المرقي العقاري و لكن يدفع في حساب هذا الأخير لدى هيئة ضمان عمليات الترقية العقارية المنشئ بموجب المادة 13 من المرسوم التشريعي رقم 93-01 المؤرخ في 19 جانفي 1993 المتضمن قانون المالية لسنة 1993.
نص القانون رقم 11-04 على نوع آخر من عقود بيع عقار من قبل مرقي عقاري و هو عقد البيع على التصاميم contrat de vente sur plans لبناية أو جزء من بناية مقرر بنائها أو في طور البناء. إنه العقد الذي يتضمن و يكرس تحويل حقوق الأرض و ملكية البنايات من طرف المرقي العقاري لفائدة المكتتب موازاة مع تقدم الأشغال ، و في المقابل يلتزم المكتتب بتسديد السعر كلما تقدم الانجاز.
بالنسبة لعقد البيع على التصاميم فلقد استدعيت المحكمة العليا للإجابة على مسألة كانت محل جدال و هي معرفة ما إذا كان هذا النوع من العقود يشكل سند ملكية أو هل يجب تكملته بعقد بيع نهائي محرر أمام موثق مسجل و مشهر. في بعض الحالات و رغم أن المرقي العقاري أكمل انجاز البناية محل عقد البيع على التصاميم فإنه يمتنع لسبب أو لآخر عن إتمام عملية البيع بتسليم المقتني محضر تسليم البناية المحرر أمام الموثق على أساس شهادة المطابقة التي تسلمها مسبقا تطبيقا لأحكام المادة 39 من القانون رقم 11-04.
في قرار مؤرخ في 7 جويلية 2022 ملف رقم 1383360 فصلت المحكمة العليا في دعوى رفعها مقتني شقة تم بيعها على التصاميم ضد مرقي عقاري موضوعها إلزام هذا الأخير الذي لم يتحصل بعد على شهادة المطابقة بالحضور أمام موثق لتحرير عقد البيع النهائي .بالنسبة لقضاة مجلس قضاء وهران الذين فصلوا في هذه الدعوى كجهة استئنافية فإن هذه الدعوى غير مؤسسة لأن تحرير عقد البيع النهائي مرتبط بالحصول على شهادة المطابقة و ذلك طبقا للمادة 39 من القانون رقم 04-11 التي تنص على أنه لا يمكن حيازة بناية أو جزء من البناية إلا بعد الحصول على شهادة المطابقة . المحكمة العليا نقضت تسبيب قضاة مجلس قضاء وهران على أساس أن عقد البيع على التصاميم لوحده كافيا ليكون سندا للملكية ما دام أبرم رسميا و تم شهره بالمحافظة العقارية بشرط أن يستكمل بمحضر حيازة معد من طرف نفس الموثق بعد حصول المرقي العقاري على شهادة المطابقة المقررة في نص المادة 39 من القانون رقم 04-11 و عليه فإذا رفض المرقي العقاري تكملة عقد البيع بالتسليم القانوني للشقة محل البيع على التصاميم فإن على المقتني أن يرفع ضده دعوى أمام المحكمة و لكن ليس بغرض إتمام عملية البيع بتحرير عقد بيع نهائي أمام الموثق و لكن فقط لإلزامه بالحضور أمام الموثق لإعداد محضر تسليم الشقة فيما أن عقد البيع على التصاميم الذي تم استلامه من قبل المقتني يعد بذاته سند ملكية .
- منازعات ترقيم العقارات في السجل العقاري
في المنازعات الناشئة عن ترقيم عقار أو حق عيني عقاري في السجل العقاري، يميز القانون بين الترقيم (أو القيد) النهائي و الترقيم المؤقت. إذا كان ترقيم العقار نهائيا مما يعني تسليم دفتر عقري لصاحب هذا العقار يحمل هذه الإشارة ، فإن إلغاء أو تعديل هذا الترقيم النهائي (أو الدفتر العقاري) يكون من اختصاص المحكمة الإدارية الابتدائية. بالعكس، إذا كان هذا الترقيم مؤقتا فقط، فإن المحكمة المختصة بإلغاء هذا التقييم أو تعديله هي المحكمة العادية في قسمها العقاري. في حالة ما إذا كان النزاع يخص ترقيم مؤقت يدخل في اختصاص المحكمة العادية فإن الدعوى الرامية إلى إلغاء أو تعديل هذا الترقيم لا تكون مقبولة إلا بعد عرض النزاع على المحافظ العقاري عن طريق اعتراض على الترقيم المؤقت.
إجراء الاعتراض على ترقيم أو قيد عقار أمام المحافظ العقاري منصوص عليه في المادة 15 من المرسوم رقم 76-63 المؤرخ في 25 مارس 1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري المعدل و المتمم بالمرسوم التنفيذي رقم 93-123 المؤرخ في 19 ماي 1993. بمجرد أن يرفع الاعتراض عن الترقيم المؤقت أمام المحافظ العقاري ، فإن هذا الأخير يشرع في محاولة الصلح بين الأطراف. في حالة عدم نجاح محاولة الصلح ، فإن المحافظ العقاري يحرر محضر عدم الصلح. بعد استلامه محضر عدم الصلح يجوز للطرف الذي نازع ترقيم العقار رفع دعوى أمام القسم العقاري للمحكمة موضوعها طلب الاعتراف له بملكيته للعقار محل الترقيم المؤقت و بالنتيجة إلغاء هذا الترقيم. من جهته فإنه يمكن للطرف الآخر الذي تسلم هو كذلك نسخة من محضر عدم لصلح أن يرفع دعوى أمام المحكمة يطلب فيها رفع الاعتراض على ترقيم العقار باسمه.
تطبيقا لأحكام المادة 15 من المرسوم رقم 76-63 المؤرخ في 25 مارس 1976، فإن بعض المحاكم اعتبرت إجراء محاولة الصلح المسبق أمام المحافظ العقاري هو إجراء من النظام العام و عليه فإذا رفعت الدعوى مباشرة أمام المحكمة بغرض إلغاء الرقيم المؤقت أو رفع الاعتراض على هذا الترقيم دون أن يكون النزاع قد سبق عرضه على المحافظ القاري فإن هذه الدعوى تكون غير مقبولة و يمكن للقاضي إثارة عدم القبول تلقائيا . المشكلة هي أنه في كثير من الأحيان لا يتم دراسة الاعتراضات المقدمة أمام المحافظ العقاري أو أنها تبقى معلقة لأجل غير محدود مما يدفع المعنيين إلى رفع النزاع مباشرة إلى المحكمة دون تقديم محضر عدم الصلح المحرر من قبل المحافظ العقاري . في بعض الحالات فإنه رغم استظهار المدعي للدليل الكتابي الذي يثبت أنه قدم اعتراض على الترقيم المؤقت أمام المحافظ العقاري الذي بقي دون إجابة فإن بعض المحاكم و حتى بعض المجالس القضائية تقضي بعدم قبول الدعوى.
لا شك أن هذا القضاء للجهات القضائية السفلى يضر بالمتقاضين و قد يصل هذا الضرر إلى حد تجريدهم من عقاراتهم من طرف أشخاص محتالين يستغلون الأخطاء التي يرتكبها أعوان إدارة مسح الأراضي أثناء عمليات المسح للاستيلاء على ملكية الغير و هذا القضاء يكون أكثر عرضة للنقد كون الخطأ الأصلي يتحمله لا المتقاضي و لكن المحافظ العقاري الذي تهاون في الفصل في الاعتراضات على الترقيم المؤقت المقدمة له. لذلك فإن المحكمة العليا و في قرار سابق مؤرخ في 16 سبتمبر 2021 ملف رقم 1324283 جعلت حدا لهذا القضاء المحرج إذ قضت أن عدم تقديم محضر عدم الصلح في الدعوى القضائية لا يشكل عائقا على قبول هذه الدعوى ما دام المدعى قدم للقاضي الدليل على أنه قدم اعتراض على الترقيم المؤقت قبل رفع دعواه .اعتبرت المحكمة العليا أنه ما دام المدعي غير مسئول عن عدم تسليم محضر عدم الصلح و أن المحافظ العقاري هو المخطئ بعدم الرد في أجل معقول على الاعتراض المقدم له فانه يجب قبول الدعوى المرفوعة أمام المحكمة بالرغم من عدم تقديم محضر عدم الصلح .
لا شك أن هذا القرار للمحكمة العليا يكتسي أهمية متميزة إذ جعل حدا لقضاء الجهات القضائية السفلى الذي تسبب في أضرار جسيمة لحقت بعض المتقاضين لمتقاضين فمن نتائج هذا القضاء الخاطئ لقضاة الموضوع أنه يحول الترقيم المؤقت للعقار إلى ترقيم نهائي لأنه من جهة فإن الطرف الخصم الذي يكون قد استولى على العقار بطريق الغش و التدليس قد يحتج بالحكم الصادر لصالحه و لو كان حكم بعدم قبول الدعوى و من جهة أخري فإن أجل السنتين المقرر قانونا لصيرورة الترقيم المؤقت ترقيما نهائيا يكون قد انقضى.
في قرارها الأخير المؤرخ في 4 ماي 2023 ملف رقم 1404430، وضعت المحكمة العليا أيضًا حدًا للقضاء الذي انتهجته بعض الجهات القضائية السفلى حول شروط قبول دعوى الطعن في الترقيم المؤقت إذ اعتادت التصريح بعدم قبول هذه الدعوى على أساس تفسير خاطئ للنص القانوني الذي يحدد الأجل الذي يجب خلاله رفع الاعتراض على الترقيم المؤقت أمام المحافظ العقاري و هو نص المادة 15 الفقرة 5 من المرسوم رقم 93-123 المؤرخ في 19 ماي 1993 المعدل والمتمم للمرسوم رقم 76-63 المؤرخ في 25 مارس 1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري الذي حدد هذا الأجل بستة أشهر.
على الرغم من أن المادة 15 الفقرة 5 من المرسوم التنفيذي رقم 93-123 هو نص واضح لا يحتاج لأي تفسير أو تأويل كونها تنص صراحة أن سريان أجل 6 أشهر لرفع الدعوى أمام المحكمة تبدأ من تاريخ " تبليغ " محضر عدم الصلح الذب حرره المحافظ العقاري فإن بعض الجهات القضائية تقضي برفض الدعاوى الرامية إلى إلغاء الترقيم المؤقت لعقار أو إلى رفع الاعتراض على هذا الترقيم بحجة أن هذه الدعاوى رفعت بعد انقضاء أجل 6 أشهر الذي يسري من تاريخ إعداد محضر عدم الصلح . قرار المحكمة العليا المؤرخ في 4 ماي 2023 نقض و أبطل قرار صادر عن مجلس قضاء البويرة الذي حدد سريان أجل 6 أشهر بتاريخ تحرير محضر عدم الصلح بدلا من تاريخ تبليغ هذا المحضر.
- وعد الوعد ببيع العقارات
في قرار مؤرخ في 2 فيفري 2023 ملف رقم 1421936، أعطت المحكمة العليا تفسيرها لنص المادة 71 فقرة 2 من القانون المدني المتعلقة بشكلية الوعد بالبيع. طبقا لهذه المادة:" الإنفاق الذي يعد له كلا المتعاقدين أو أحدهما بإبرام عقد معين في المستقبل لا يكون له أثر إلا إذا عينت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه و المدة التي يجب إبرامه فيها. و إذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين فهذا الشكل يطبق أيضا على الاتفاق المتضمن الوعد بالتعاقد ."
في القضية التي عرضت على رقابة المحكمة العليا يتعلق الأمر بوعد ببيع قطعة أرضية تم إبرامه أمام موثق حيث رفض الواعد إتمام البيع النهائي .عرض الموعود له قضيته أمام مجلس قضاء تيبازا إثر استئنافه للحكم الصادر عن محكمة الشراقة القاضي برفض دعواه لعدم التأسيس فالتمس إلغاء هذا الحكم و التصدي و القضاء من جديد بإلزام الواعد بتنفيذ الوعد بالبيع بمثوله أمام الموثق لإبرام عقد البيع النهائي. مجلس قضاء تيبازا قضى برفض دعوى الموعود له بحجة أن عقد الوعد بالبيع لم يخضع لإجراء الشهر العقاري. المحكمة العليا نقضت و أبطلب قرار مجلس قضاء تيبازا على أساس أنه خلافا لعقد بيع عقار فإن الوعد ببيع عقار لا يخضع للشهر العقاري و أما مصطلح " الشكلية " المنصوص عليها في المادة 71 من القانون لمدني فيقصد منه الرسمية التي تستوجب تحرير عقد الوعد بالبيع أمام الموثق و ليس الشهر العقاري.
- تقادم الدعاوى الناشئة عن السفتجة
طبقا للمادة 461 من القانون التجاري : " جميع الدعاوى الناشئة عن السفتجة و المرفوعة على قابلها تسقط بمضي ثلاثة أعوام من تاريخ الاستحقاق " . في قرار مؤرخ في 29 سبتمبر 2021، ملف رقم 15342177 دققت المحكمة العليا قواعد تطبيق التقادم الثلاثي على السفتجة . في هذا الصدد فإن المحكمة العليا تميز بين السفتجة حينما تقدم كدليل إثبات و السفتجة حينما تقدم كسند تنفيذي. إذا كانت الدعوى الموجهة ضد المسحوب عليه ترمي إلى إلزامه بتنفيذ السفجة فإنه يجب رفع هذه الدعوى في مهلة 3 سنوات تحت طائلة عدم قبولها. بالعكس إذا قدمت السفتجة في ملف الدعوى كدليل إثبات الدين فإن المدعى عليه يكون غير مقبول في الدفع بالتقادم الثلاثي المنصوص عليه في المادة 461 من القانون التجاري إذ في هذه الحالة يسري التقادم العادي للمادة 308 من القانون أي 15 سنة.
- تنفيذ عقود القرض و سندات الأمر المحررة في بلد اجني
وفقا لقضائها السابق قضت المحكمة العليا أنه على غرار كل العقود و السندات الرسمية المحررة في بلد أجنبي التي لا تكون قابلة للتنفيذ في الجزائر إلا إذا تم إمهارها بالصيغة التنفيذية من طرف القضاء الجزائري و ذلك طبقا لأحكام المادة 606 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، فإن عقود القرض و سندات الأمر المحررة في بلد أجنبي تخضع لشكلية الإمهار بالصيغة التنفيذية حتى تكون قابلة للتنفيذ في الجزائر..
في قرار مؤرخ في 29 ديسمبر 2022، ملف رقم 1564471 قضت المحكمة العليا بأن قرار مجلس قضاء الجزائر العاصمة الذي ألغى الحكم الصادر عن محكمة حسين داي قد طبق القانون تطبيقا صحيحا حينما رفض الدعوى الرامية إلى تثبيت أمر الحجز التحفظي على حصص اجتماعية لشركة ذات المسؤولية المحدودة التي يوجد مقرها بالجزائر المتخذ بعنوان الديون المستحقة تنفيذا لاتفاقية قرض و سند الأمر محررين في بلد أجنبي. بالنسبة للمحكمة العليا فإنه في غياب حكم صادر عن جهة قضائية جزائرية يقضي بإمهار عقد القرض و سند الأمر بالصيغة التنفيذية فإن هذين السندين ليس لهما أي حجية قانونية في الجزائر و من ثمة فإنه لا يجوز رفع دعوى قضائية أمام لجهة قضائية جزائرية بغرض ا استصدار أمر حجز على أموال المدين فقط على أساس هذين المستندين الغير الخاضعين لإجراء الامهار بالصيغة التنفيذية.
- عزل مسير الشركة ذات المسؤولية المحدودة
طبقا لأحكام المادة 579 من القانون التجاري، يمكن عزل مسير الشركة ذات المسؤولية المحدودة بقرار من الشركاء الممثلين أكثر من نصف رأسمال الشركة و يعتبر كل شرط مخالف لذلك كأن لم يكن . من جهة أخري و تطبيقا لنفس المادة يجوز أيضا عزل المسير من طرف المحاكم لسبب قانوني بناء على طلب كل شريك.
في القضية التي فصلت فيها المحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 23 فبراير 2023 ملف رقم 1614774، يتعلق الأمر بدعوى رفعت أمام المحكمة التجارية من قبل شركاء في شركة ذات المسؤولية المحدودة موضوعها إلغاء قرار الجمعية العامة غير العادية المتضمن رفع رأس مال الشركة و عزل المسير. إثر استئناف حكم قاصي الدرجة الأولى ، قضى مجلس قضاء ميلة بإلغاء قرار الجمعية العامة الاستثنائية على أساس أنه من جهة فإن القانون الأساسي للشركة ينص على أنه لا يجوز عزل المسير إلا بموجب حكم قضائي و من جهة أخري فإن الجمعية العامة الاستثنائية التي قررت رفع رأس مال الشركة لم تنعقد برئاسة المسير كما ينص على ذلك القانون الأساسي للشركة.
لا شك في أن قرار مجلس قضاء ميلة هو على أقل قرار مرتبك كون نص المادة 579 من القانون التجاري واضح لا يترك مجالا لأي تفسير أو تأويل كونه ينص صراحة على إمكانية عزل مسير الشركة ذات المسؤولية المحدودة بقرار من الشركاء الممثلين أكثر من نصف رأسمال الشركة كما ينص أن كل شرط مخالف لذلك يعتبر كأن لم يكن .كون المادة 14 من القانون الاساس للشركة ذات المسؤولية المحدودة خرقت أحكام المادة 579 من القانون التجاري حينما منعت عزل المسير من قبل الشركاء الذين يمثلون أكثر من نصف رأسمال الشركة فإنه يجب اعتبار هذه المادة 14 كأن لم تكن ، و عليه فإنه كان على مجلس قضاء ميلة فقط مراقبة ما إذا كان المسير قد تم عزله بقرار من الشركاء الذين يمثلون أكثر من نصف رأسمال الشركة و هذا هو حال القرار الذي اتخذ في الجمعية العامة الاستثنائية الذي اتخذ من طرف الشركاء الذين يمثلون 80 % من رأسمال الشركة و بالنتيجة كان على هذا المجلس رفض طلب إلغاء قرار الجمعية العامة الاستثنائية و هذا ما قضى به قرار المحكمة العليا المؤرخ في 23 فيفري 2023.
- إشكالية ترجمة المستندات المحررة باللغة الأجنبية
في مقال سابق نشر على هذا الموقع تم التطرق إلى الإشكال الذي يطرحه تطبيق أحكام المادة 8 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية التي تلزم المتقاضي تقديم الوثائق و المستندات المحتج بها باللغة العربية أو مصحوبة بترجمة رسمية إلى هذه اللغة و هذا تحت طائلة عدم القبول. تفعيل هذا النص الذي يطبق حتى على الوثائق و المستندات الرسمية المحررة باللغة الفرنسية الصادرة عن مؤسسات و هيئات رسمية جزائرية يضع المتقاضين على المحك، لا سيما فيما يتعلق بالتكاليف المالية الناتجة عن عملية الترجمة التي قد تكون معتبرة. في بعض المنازعات، على غرار منازعات الصفقات العمومية أو منازعات البنوك و المؤسسات المالية حيث يكون حجم المستندات المحتج بها ضخة و هي في أغلب الأحيان تكون محررة باللغة الفرنسية فيجب ترجمتها إذا أراد المتقاضي الاحتجاج بها أمام القاضي ، فانه لا شك أن هذا الإجراء قد يشكل عائقا بالنسبة لبعض المتقاضين ذوي الدخل المتواضع فيما أن مصاريف الترجمة مستبعدة عمليا من المساعدة القضائية.
للتخفيف إلى حد ما من هذه المعضلة حاولت المحكمة العليا من خلال منافذ قانونية متميزة استبعاد التطبيق الآلي و المتشدد لشكلية الترجمة و ذلك بحث قضاة الموضوع اللجوء إلى السلطات الواسعة التي خولها لهم القانون.في قرارها الصادر في 8 سبتمبر 2022 ملف رقم 1572725، قضت المحكمة العليا أولاً أنه يترتب على عدم تقديم الوثائق و المستندات باللغة العربية أو مصحوبة بترجمة رسمية عدم قبولها و ليس رفض الدعوى لعدم التأسيس. من جهة أخرى قضت بأنه بدلا من التصريح بعدم قبول الدعوى لعدم تقديم نسخة مترجمة للمستندات المحررة باللغة الأجنبية فإنه بإمكان القاضي و في إطار ما له من دور إيجابي في تسيير الخصومة و من السلطات الواسعة المخولة له قانونا أن يأمر شفهيا بإحضار أية وثيقة يراها ضرورية لحل النزاع و هذا طبقا لأحكام المادة 27 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية كما يجوز له أن يمنح أجلا للخصوم لتصحيح الإجراء المشوب بالبطلان بتقديم المستند المترجم و هذا طبقا للمادة 62 من نفس القانون. في قرار سابق ( قرار مؤرخ في 5 ماي 2016 ملف رقم 0980947) طبقت المحكمة العليا نفس المبادئ إذ قضت بأن تقديم مستندات محررة باللغة الأجنبية غير مرفقة بترجمة إلى اللغة العربية يترتب عليه عدم القبول و ليس رفض الدعوى لعدم التأسيس، و أنه لا يجوز للقاضي إثارة الدفع بعدم ترجمة مستند من تلقاء نفسه بل يجب أن يثار من قبل الأطراف، و أنه في كل الأحوال فإن الدفع بعدم ترجمة المستندات المحرر باللغة الأجنبية يكون غير منتج إذا كلن الطرف الذي تمسك بهذا الدفع هو نفسه من حرر هذه المستندات .
الأستاذ براهيمي محمد
محامي لدى مجلس قضاء البويرة
brahimimohamed54@gmail.com
الموضوع 1 - الولوج للوثائق الإدارية
في كثير من الأحيان يواجه المواطن صعوبات في الحصول على الوثائق التي تحتفظ بها الإدارات وغيرها من الهيئات أو المؤسسات العمومية على الرغم من أن القانون يضمن حق الولوج إلى هذه الوثائق ويكرس مبدأ حق المواطن في الحصول على المعلومات الإدارية. يتم إعلام المواطنين بالتنظيمات والتدابير التي تصدرها الإدارة إما بالنشر في الجريدة الرسمية أو عن طريق الصحافة أو النشر في الأماكن العمومية، أو بتبليغ الشخص المعني عندما يتعلق الأمر بقرارات فردية أو كذلك بتبليغ أي معلومة أو مستند في حوزة الإدارة يطلبها المواطن.
المرسوم رقم 88-131 المؤرخ في 4 جويلية 1988 المنظم للعلاقات بين الإدارة و المواطن هو الذي أقر حق ولوج المواطن إلى الوثائق والمعلومات الإدارية. كرس هذا المرسوم حقا عاما يطبق على جميع الوثائق الإدارية ما لم ينص قانون خاص على استبعاد وثيقة معينة من هذا الحق .عرف الأمر رقم 21-09 المؤرخ في 08/06/2021 المتعلق بحماية المعلومات و الوثائق الإدارية مفهومي " الوثيقة " و " المعلومات " . تتمثل الوثيقة في المراسلات و المحررات و المستندات التي أنشأتها أو حصلت عليها أي من السلطات المعنية أثناء ممارسة نشاطها . و أما المعلومات فتتمثل في أي حدث أو خبر مهما كان مصدره كوثيقة أو صورة أو شريط صوتي أو سمعي بصري أو محادثة أو مكالمة هاتفية.
رغم أن مبدأ الولوج الحر إلى الوثائق الإدارية قد تم إقراره في الجزائر على شكل مرسوم وليس على شكل نص تشريعي و يشير إلى " الإدارة " دون تمييز و هو الأمر الذي قد يقيد نطاق تطبيقه و يستثني هيئات القانون الخاص المكلفة بتسيير مرفق عام التي تحتفظ هي كذلك بكمية كبيرة من الوثائق الإدارية، فإن ذلك لا ينزع لهذا المرسوم أهميته المتميزة علما أنه موقع من طرق رئيس الجمهورية. الملاحظ أن المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 المنشور في الجريدة الرسمية في طبعتها العربية و الأصلية يتكلم عن العلاقات بين الإدارة و " المواطن " citoyen فيما أن الجريدة الرسمية في طبعتها المترجمة إلى اللغة الفرنسية تتكلم عن علاقات الإدارية مع " المتعامل مع الإدارة " administré الذي يؤدي معنى العلاقة التبعية و الخضوع للإدارة . كون النص المنشور بالجريدة الرسمية في طبعتها العربية هو النص الرسمي الذي يجب تطبيقه فإنه يجب قراءة المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 قراءة واسعة فيجوز لأي مواطن الاحتجاج بنصوصه.
المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 لم يقدم أي تعريف للوثيقة الإدارية و مع ذلك فإن القضاء الإداري الذي يعطي قراءة ليبرالية و واسعة لأحكام هذا المرسوم يعتبر كوثائق إدارية الوثائق التي تصدرها أو تتلقاها في إطار مهام الخدمة العامة الدولة أو الجماعات المحلية وكذلك الوثائق التي تصدر عن أشخاص آخرين من القانون العام أو حتى من قبل أشخاص القانون الخاص المكلفين بتسيير مرفق عام . وتشمل هذه الوثائق الملفات والتقارير والدراسات والمحاضر والإحصائيات والتوجيهات والتعليمات والمذكرات الوزارية والمراسلات والآراء والتنبؤات والقرارات. ومن المستقر عليه قضاء كذلك أن حق المواطن في تبليغ الوثائق الإدارية لا ينطبق إلا على الوثائق المكتملة و لذلك فإن هذا الحق لا يخص الوثائق التحضيرية التي تسبق اتخاذ القرار الإداري طالما أنها قيد التطوير ، وفي جميع الأحوال فإن هذا الحق ينتفي عندما تكون الوثائق الإدارية محل نشر و بث عموميين.
تجدر الإشارة كذلك إلى أن القانون رقم 18-07 المؤرخ 10 جويلية 2018 المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي يسمح من جهة لأي شخص الحصول من المسئول عن المعالجة أن يفيده وفق شكل مفهوم بالمعطيات الخاصة به التي تخضع للمعالجة و كذا بكل معلومة متاحة حول مصدر المعطيات ، و من جهة أخرى أنشأ سلطة وطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي مكلفة بتلقي الاحتجاجات و الطعون و الشكاوى بخصوص تنفيذ معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي و إعلام أصحابها بمآلها.
كذلك فإن بعض النصوص الخاصة تفرض على بعض الإدارات نشر و تسليم الوثائق الإدارية التي بحوزتها. وهكذا وتطبيقا لأحكام المرسوم رقم 76-63 المؤرخ في 25 مارس 1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري فإن مسئولي إدارة مسح الأراضي و الحفظ العقاري يكونون ملزمين من جهة بإعطاء لمن يطلبها المعلومات الموجودة في وثائقهم و المتعلقة بالعقارات ( المادة 3 ) و من جهة أخرى تسليم كل من يطلبها نسخا أو مستخرجات عن الوثائق المودعة بمكاتبهم ، نسخ أو مستخرجات عن بطاقات العقارات أو شهادات بعدم وجود أي بطاقة التي طلبت عنها نسخ أو مستخرجات ( المادة 55 ).
و بخصوص الوثائق الممسوكة لدى إدارة مسح الأراضي و الحفظ العقاري التي يزداد الطلب عليها فغالبا ما ترفض هذه الإدارة تسليم بعض الوثائق بحجة أن حق الحصول عليها يخص فقط مالكي العقارات دون غيرهم. هذا الرفض هو في الواقع مخالف للقانون باعتبار أن المادة 55 من المرسوم رقم 76-63 المؤرخ في 25 مارس 1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري تقر حق الحصول على هذه الوثائق دون تمييز . عملا بهذا المرسوم، يجوز لأي شخص أن يحصل من إدارة الحفظ العقاري على ا لوثائق الممسوكة لديها لا سيما نسخة من عقد مسجل أو مشهر ، مستخرج للوثائق المسجلة أو المشهرة ، نسخة من جدول تسجيل الرهون و الامتيازات ، نسخة من الدفتر العقاري أو الشهادة المتعلقة بالتسجيلات و الإشهارات الإيجابية و السلبية . أما بالنسبة لإدارة مسح الأراضي فإن كل الوثائق الممسوكة لديها و التي تم جردها على الموقع الالكتروني التابع للمديرية العامة للأملاك الوطنية فإنها تكون قابلة لتسليمها لأي شخص يطلبها و يتعلق الأمر بالخصوص بوثيقة القياس ((CC2 / CC2 bis ، و الكشف المبين للتغييرات التي طرأت على الأملاك العقارية ( ( CC3) ، و مستخرج مسح الأراضي و مستخرج عقد (CC4 bis) ، و مستخرج من دفتر المساحة (CC11 ) ، و مستخرج من حالة القسم (CC12)، و مستخلص كشف التغييرات (CC13)، و الكشف للمعلومات ذات الطابع الخاص بمسح الأراضي (CC14) ، و المستخرج من مخطط مسح الأراضي (CC15 و CC16).
باستثناء الوثائق الإدارية التي يتم نشرها بإتباع الإجراءات ذات الصلة (الجريدة الرسمية، نشرة العقود الإدارية، النشر...) أو عن طريق الإخطار الشخصي ( بالنسبة للقرارات الفردية)، يحق للمواطن أيضا الحصول على أي وثيقة صادرة عن الإدارة غير محمية بتقييد. وهكذا فبموجب المادة 10 من المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988: "مع مراعاة أحكام التنظيم المعمول به في مجال المعلومات المحفوظة و المعلومات التي يحميها السر المهني ، يمكن المواطنين أن يطلعوا على الوثائق والمعلومات الإدارية ". وبموجب نفس النص فإن الاطلاع على هذه الوثائق يتم عن طريق الاستشارة المجانية في عين المكان أو تسليم نسخ منها على نفقة الطالب بشرط ألا يتسبب الاستنساخ في إفساد الوثيقة أو بالمحافظة عليها.
إذا كان المبدأ العام هو أن لكل مواطن الحق في الاطلاع على الوثائق التي تحتفظ بها الإدارات و استلام نسخ منها باستثناء الوثائق المحمية، فما هي وسيلة الطعن التي يمكن أن يلجأ إليها المواطن الذي يرفض طلبه بالاطلاع أو باستنساخ وثيقة إدارية ؟ يمكن طبعا اللجوء إلى القضاء عن طريق رفع دعوى أمام القاضي الإداري لا سيما أما القاضي الاستعجالي الإداري الذي سيصدر حكم في شكل أمر على ذيل العريضة ( الإجراء القديم ) أو في شكل أمر استعجالي ( الإجراء الساري في التشريع الجديد ) و الذي يأمر بموجبه الإدارة المعنية بتسليم الوثيقة أو المعلومة الإدارية المطلوبة . على الرغم من أن هذا الطعن يكون مقبولا في إطار الإجراءات الإدارية العادية، إلا أنه في غياب نص صريح في المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 يقر صراحة مثل هذا الطعن ، فإن بعض المحاكم الإدارية كانت ترفض طلبات إلزام الإدارات بتسليم الوثائق الإدارية الممسوكة لديها على أساس أسباب في معظمها خاطئة مفادها أنه بإمكان الطالب الحصول على هذه الوثائق أثناء سير الدعوى الإدارية في الموضوع التي يخاصم فيها هذه الإدارة فيما أنه قد يقع أن يكون المعني بحاجة إلى استلام وثيقة إدارية دون أن ينوي رفع دعوى قضائية.
في بعض البلدان فإن ضمان تطبيق حق المواطن في الحصول على الوثائق الإدارية يتم عن طرق هيكل إداري خاص مكلف بمراقبة احترام هذا الحق من قبل الإدارة. في فرنسا مثلا فإن لجنة الولوج إلى الوثائق الإدارية التي هي سلطة إدارية مستقلة هي المكلفة بالسهر على احترام حرية الولوج إلى الوثائق الإدارية . تتدخل هذه اللجنة بطلب من كل شخص الذي رفض طلبه بالاطلاع أو باستلام وثيقة إدارية أو لم يتلقى جوابا ، و تفصل هذه اللجنة في هذا الطلب عن طريق رأي يفصل في قابلية الوثيقة المطلوبة للاطلاع عليها أو استنساخها.
أنشأ المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 هيكلا خاصا مكلفا بالبت في كل طلبات و شكاوى المواطنين لا سيما البت في الطلبات المتصلة بحق الولوج إلى الوثائق الإدارية إذ تنص المادة 34-2 من هذا المرسوم على ما يلي: يجب على الإدارة أن ترد على كل الطلبات أو الرسائل أو التظلمات التي يوجهها المواطن إليها ، و لهذا الغرض تحدث هياكل في المستويين الوطني و المحلي تكلف على الخصوص بالبت في عرائض المواطنين" . و لكن هذه الهياكل لم يتم إنشائها و بقيت حبر على ورق. أنشأ المرسوم الرئاسي رقم 20-45 المؤرخ في 15 فيفري 2020 هيكل خاص و هو وسيط الجمهورية المخول له صلاحيات المتابعة و الرقابة العامة التي تسمح له بتقدير حسن علاقات الإدارة بالمواطنين. رغم أنه يجوز إخطار وسيط الجمهورية من طرف لأي شخص للاحتجاج على رفض الإدارة تسليمه وثيقة إدارية أو الاطلاع عليها فإن مهام وسيط الجمهورية تتمثل أساسا في حل المنازعات و تحسين أداء الإدارة و المرافق العامة فيما أن الهيكل المنصوص عليه في المادة 32 من المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 يتدخل أساسا في إشكالات الولوج إلى الوثائق و المعلومات الإدارية و السهر على شفافية الإدارة في هذا المجال .
في كل الأحوال وحتى في غياب الهيكل المنصوص عليه في المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 والذي كان من المقرر تكليفه بالبت في طلبات الأشخاص الذين تم رفض ولوجهم إلى وثيقة إدارية، فإن هذا المرسوم أقر التزامات على موظفي الإدارات في مجال تمكين المواطنين من الولوج إلى الوثائق الإدارية.
أولا فإن المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 يقر مبدأ عاما مفاده أن الإدارة ملزمة بأن تطلع المواطنين على التنظيمات و التدابير التي تسطرها كما يتعين عليها أن تنشر بانتظام التعليمات و المناشير و المذكرات و الآراء التي تهم علاقتها بالمواطنين ( المادة 9). وفيما يتعلق على وجه الخصوص بمسألة الولوج إلى الوثائق الإدارية فإن المادة 10 من هذا المرسوم تنص على أنه يمكن للمواطنين أن يطلعوا على الوثائق والمعلومات الإدارية إما عن طريق الاستشارة المجانية في عين المكان أو تسليم نسخ منها على نفقة الطالب بشرط ألا يتسبب الاستنساخ في إفساد الوثيقة أو يضر بالمحافظة عليها ، و أن كل منع من الاطلاع على هذه الوثائق يلزم الإدارة بإشعار المواطن بهذا المنع بمقرر مسبب أي يجب على الإدارة التي رفضت طلب مواطن بالاطلاع أو استنساخ وثيقة ممسوكة لديها أن تصدر قرارا كتابيا يبلغ للطالب تعرض فيه الأسباب التي جعلتها ترفض طلبه . و الحق في الولوج للوثائق الإدارية يشمل كذلك الوثائق المودعة في محفوظات الإدارات و في مركز المحفوظات الوطنية.
مبدئيا تكون جميع الوثائق و المعلومات الإدارية قابلة للاطلاع عليها أو استنساخ نسخ منها باستثناء الوثائق المصنفة أو التي يحميها السر المهني أو التي تتصل بحياة الفرد الخاصة أو المرتبطة بوضعيته الشخصية . عرف الأمر رقم 21-09 المؤرخ في 08/06/2021 المتعلق بحماية المعلومات و الوثائق الإدارية الوثائق المصنفة على أنها أي مكتوب ورقي أو إلكتروني أو رسم أو مخطط أو خريطة أو صورة أو شريط صوتي أو سمعي بصري أو أي سند مادي أو إلكتروني آخر كانت محل تدابير ترمي إلى منع نشرها أو تقييد الاطلاع عليها.
طبقا للمادة 30 من المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 لا يجوز للموظف تحت أي ذريعة رفض تسليم وثيقة إدارية يحق للمواطن الحصول عليها قانونا ، أو اعتراض سبيل الوصول إلى وثائق إدارية مسموح بالاطلاع عليها ، أو رفض إعطاء معلومات أو التسبب في تأخير تسليم العقود و الأوراق الإدارية ، أو المماطلة في ذلك دون مبرر ، أو كذلك المطالبة بأوراق أو وثائق لا ينص عليها التشريع و التنظيم الجاري بهما العمل. و حسب نفس المادة فإن إخلال الموظف بهذه الواجبات ينجر عنه عقوبات تأديبية قد تصل إلى العزل في حالة العود . أكثر من ذلك فقد يسأل الموظف مدنيا و حتى جزائيا إذا رفض تسليم المواطن أو اطلاعه على وثيقة أو معلومة إدارية و هذا عملا بالمادة 40 من هذا المرسوم م التي تنص : ": "يتعرض الموظفون لعقوبات تأديبية قد تصل إلى العزل مع الحرمان من حق المعاش في حالة اعتراضهم لسبيل التدابير المتخذة لتحسين العلاقات بين الإدارة و الموظفين و هذا دون المساس بالعقوبات المدنية و الجزائية التي يتعرضون لها طبقا للتشريع الجاري به العمل بسبب أخطائهم الشخصية ".
ومع ذلك يبقى المواطنين يشكون في كثير من الأحيان من التأخير غير المبرر في معالجة طلباتهم بالولوج إلى الوثيقة أو المعلومة الإدارية المطلوب الاطلاع عليها أو استنساخها . في هذه الحالة و في غياب هيكل إداري مكلف بالبت و الاستجابة لعرائض و شكاوى المواطنين اللذين رفضت طلباتهم بالولوج إلى وثيقة إدارية فإن الطعن الذي يمكن للمواطن اللجوء إليه هو في أغلب الأحيان الطعن القضائي أمام المحكمة الإدارية .
ينص المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 بإيجاز على وسائل الطعن التي يمكن اللجوء إليها في حالة عدم استجابة الإدارة لطلب الولوج إلى وثائق أو معلومات إدارية . أولا و طبقا للمادة 39 من هذا المرسوم فإنه يمكن للمواطن الذي رفضت الإدارة طلبه بتسليم وثيقة أو معلومة إدارية أن يقدم طعن أمام نفس الإدارة التي صدر منها قرار الرفض . يمكن كذلك لهذا للمواطن تقديم طعن تدريجي أي رفع شكوى أمام السلطة الإدارية التي تعلو مباشرة الإدارة التي أصدرت قرار رفض الولوج إلى وثيقة أو معلومة إدارية . علاوة على ذلك فإن نفس المادة 39 تنص أنه يمكن المواطن أن يتبع جميع السبل القانونية في احتجاجه على قرارات و تصرفات الإدارة و من ذلك المطالبة بالتعويض على الضرر إن اقتضى الأمر.
إن تطبيق أحكام المادة 39 من المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 التي تحيل المواطن إلى رفع دعوى قضائية ضد الإدارة التي رفضت تمكينه من معلومة أو وثيقة إدارية ممسوكة لديها ليس بالأمر الهين إذ أنه إضافة إلى المصاريف التي يتحملها من يلجأ إلى القضاء الإداري ( تسديد رسم رفع الدعوى، دفع أتعاب المحضر القضائي و تحمل أتعاب المحامي ) فإن نتيجة الطعن القضائي غير مضمونة لا سيما إذا رفعت الدعوى أمام المحكمة الإدارية الابتدائية من طرف المواطن نفسه الذي كثيرا ما يجهل القواعد و الإجراءات الإدارية المعقدة و التي تتسم بشكلية مفرطة. عمليا تقع حالتين : الحالة التي يتم تبليغ المواطن كتابيا بمقرر الإدارة التي رفضت ولوجه إلى وثيقة أو معلومة ، و الحالة التي تلتزم فيها هذه الإدارة الصمت و لا تجيب على طلب المواطن . في الحالة الأولي فإن الرفض الصادر عن الإدارة يتخذ شكل إرسالية مؤرخة و موقعة من طرف مسئول هذه الإدارة مع عرضها لأسباب الرفض. في الحالة الثانية فإن الرفض يأخذ شكل مقرر ضمني عندما ينقضي أجل معين منذ استلام الإدارة طلب المواطن بتسليمه وثيقة أو معلومة . هذا الأجل حددته المادة 830 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية بشهرين.
في الفرضية الأولى التي بلغ المواطن كتابيا بمقرر رفض الإدارة تسليمه وثيقة أو معلمة إدارية ، فإنه يجوز لهذا الأخير رفع دعوى أمام المحكمة الإدارية الابتدائية يكون موضوعها إبطال مقرر الرفض مع طلب إلزام الإدارة بتسليمه الوثيقة أو المعلومة الإدارية و كذا إلزامها بالتعويض المناسب جبرا للضرر . يجب في هذه الحالة رفع الدعوى في أجل شهرين يسري من تاريخ تبليغ مقرر الرفض الصادر عن الإدارة و ذلك تحت طائلة عدم قبول الدعوى. في الفرضية الثانية التي لم يتلقى المواطن إجابة عن طلبه بتسليمه وثيقة أو معلومة إدارية و هذا ما قد يشكل خطأ جسيما يترتب عليه تسليط عقوبات على الموظف ، فإنه يجب على المواطن انتظار انقضاء مدة شهرين منذ إيداع طلبه أمام الإدارة المعنية أو إرساله لها عن طريق محضر قضائي أو رسالة مضمنة مع الإشعار بالاستلام ، و بعد انقضاء هذا الأجل يمكنه حينئذ رفع دعوى أمام المحكمة الإدارية الابتدائية في أجل شهرين آخرين يسري من تاريخ انقضاء الأجل الأول و هذا عملا بالمادة 830 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية .
لا شك أن هذه الإجراءات جد معقدة و تأخذ وقت طويل لا سيما إذا قررت الإدارة المحكوم عليها بتسليم الوثيقة المطلوبة رفع استئناف في الحكم الصادر ضدها أمام المحكمة الإدارية للاستئناف . يوجد إجراء خاص يجيز القاضي الإداري أمر الإدارة بتسليم وثيقة أو معلومة ممسوكة لديها في أجل جد قصير . لهذا الغرض يجب رفع دعوى أمام القاضي الإداري عن طريق " الاستعجال - تدابير ضرورية " الذي يعرف كذلك باسم " استعجال - اتصال " و هو الاستعجال المنصوص عليه في المادة 921-1 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية المعدلة بموجب القانون رقم 22-13 المؤرخ في 12 جويلية 2022 التي تنص : " في حالة الاستعجال القصوى يجوز لقاضي الاستعجال و لو في غياب القرار الإداري المسبق أن يأمر بكل التدابير الضرورية الأخرى دون عرقلة تنفيذ أي قرار إداري ". هذا النص يجيز القاضي الاستعجالي الإداري المرفوع أمامه الدعوى من طرف المواطن الذي رفضت الإدارة تسليمه وثيقة أو معلومة إدارية أمر هذه الإدارة بتسليمه هذه الوثيقة أو المعلومة و هذا بعد إبطاله لمقررها الصريح أو الضمني المتضمن رفض هذا التسليم . هذا الإجراء المعجل الذي ترفع بموجبه دعوى أمام القاضي الاستعجالي الإداري يخضع لثلاثة شروط : الإجراء المطلوب، أي طلب إلزام الإدارة بتسليم وثيقة أو معلومة إدارية يجب أن يتسم بطابع الاستعجال القصوى أي الاستعجال الذي لا يقبل أي تأخير ، أن يكون ضروريا و أخيرا ألا يصطدم بمنازعة جدية . في هذا النوع من الاستعجال فإن عقد جلسة علنية يكون اختياريا فقط كون إلزامية عقد جلسة علنية تقتصر فقط على حالات الاستعجال المنصوص عليها في المادتين 919 و 920 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية اللتان تلزمان قاضي الاستعجال بتكملة التحقيق الكتابي بعقد جلسة علنية و هذا عملا بالمادة 929 من نفس القانون.
في مجال الاستعجال الرامي إلى تسليم وثيقة إدارية فإن الاستعجال القصوى يكون واردا إذا كان تسليم هذه الوثيقة ضروريا لحماية حقوق المدعي . و يكون هذا الشرط قائما إذا كانت حيازة هذه الوثيقة الإدارية ضرورية لرفع دعوى قضائية قبل انقضاء أجل مثلا ضرورة حيازة ملف إداري كان مصدر اتخاذ القرار الإداري كقرار تسريح من العمل أو قرار رفض اعتماد فتح صيدلية أو منشأة . شرط الضرورة يكون متوفرا إذا كانت الوثيقة الملتمس تسليمها لازمة لقبول دعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية و مع ذلك إذا كانت الدعوى قد طرحت أمام هذه المحكمة و لم يفصل فيها بعد فإن شرط الضرورة ينعدم باعتبار أنه يجوز للمحكمة الإدارية أن تأمر بإحضار هذه الوثيقة لضمها بالملف. .
Date de dernière mise à jour : 15/03/2025