كون كثيرا ما يتضمن القانون نصوصا عامة أو مبهمة أو غير دقيقة ، فإن الاجتهاد القضائي هو الذي يضمن المرور من قاعدة مجردة إلى الحالة الملموسة.على سبيل المثال فإن المادة 124 من القانون المدني تنص : " كل فعل أيا كان يرتكبه الشخص بخطئه و يسبب ضررا للغير ،يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض". كون القانون لم يعرف مصطلحات الضرر ( مادي ، معنوي ...) و التعويض و الخطأ فإن القضاة هم الذين عرفوا و حددوا معالم هذه المصطلحات.
كون القانون ليس مادة مجمدة ، فإنه يرجع مبدئيا للمشرع تكييفه مع الوقائع ، و لكن قد يصطدم القاضي عند نظره في دعوى قضائية لفراغ قانوني قبل تدخل المشرع . حتى لا يرتكب عيب الامتناع عن الحكم و يعرض حكمه للبطلان ، فإن القاضي ملزم بالفصل في النزاع المعروض عليه و إعطائه حلا مناسبا ارتكازا على نص قانوني مع إعطائه بعد جديد. في بعض الأحيان ،فإن القاضي يتجاوز مهمة التفسير أو التكييف للقانون. قد يقع أن يكون القانون صامتا في مادة معينة ، ففي هذه الحالة يرجع للأحكام القضائية ملء هذا الفراغ القانوني. و هكذا فإن القاضي ينشأ اجتهادا قضائيا جديدا بارتكازه على نصوص قانونية أخرى و على المبادئ العامة للقانون. و مثال ذلك مسألة طبيعة " العقود الاحتفائية " المنصوص عليها في المادة 324 مكرر 3 من القانون المدني التي تنص : " يتلقى الضابط العمومي، تحت طائلة البطلان ، العقود الاحتفائية ، بحضور شاهدين ".هذه المادة لم تعرف " العقود الاحتفائية " و لم تقدم أمثلة له ، و لكن استقر الاجتهاد القضائي للمحكمة العليا ارتكازا على المبادئ الفقهية العامة و على الاجتهاد القضائي المقارن أن عقد الهبة سواء انصب على عقار أو محل تجاري أو حصص اجتماعية لشركة تجارية هو عقد احتفائي يجب تحريره تحت طائلة البطلان المطلق بحضور شاهدين (القرار الصادر عن الغرفة المدنية القسم الثاني بتاريخ 21 نوفمبر 2007 ملف رقم 389338 المنشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2008 عدد 2 صفحة 159 ؛ القرار الصادر عن الغرفة التجارية بتاريخ 28 أبريل 2022 ملف رقم 1517023 المنشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2022 عدد 1 صفحة 76).
الاجتهاد القضائي له إذا دور متعدد ، فيتدخل حينما يوجد فراغ في التشريع إما بتكييف القانون مع المجتمع ، و إما بتكملته ، و إما بإنشاء مبدأ قضائيا جديدا.
المحكمة العليا هي جهة قضائية في أعلى هرم النظام القضائي العادي و هي التي تضمن توحيد الاجتهاد القضائي ( المادة 179 من الدستور) ، و هي التي تمارس الرقابة على الأوامر و الأحكام و القرارات القضائية من حيث تطبيقها السليم للقانون و احترامها لأشكال و قواعد الإجراءات ( المادة 3 من القانون العضوي رقم 11-12 المؤرخ في 26 جويلية 2012 المحدد لتنظيم المحكمة العليا و عملها و اختصاصاتها). عن طريق رقابة تفسير الجهات القضائية السفلى للقانون تفسيرا سليما ، فإن المحكمة العليا تضمن توحيد الاجتهاد القضائي في الجزائر.
بصفة استثنائية ، قد تتراجع المحكمة العليا عن اجتهادها القضائي في مسألة قانونية معينة مثلا حينما يتغير المجتمع و تقاليده ، و لكن هذا التراجع نادر جدا إذ أن المحكمة العليا تسهر على ضمان استقرار الاجتهاد القضائي لمنح القاضي و المتقاضي على حد سواء مراجع ثابتة و مستقرة.
الاجتهاد القضائي للمحكمة العليا ينشر حاليا عن طريق ﺁليات أهمها المجلة التي تصدرها تحت عنوان " مجلة المحكمة العليا " و هي مجلة دورية تحتوي أبرز قراراتها . الملفت للانتباه أن الموقع الالكتروني للمحكمة العليا يحتوي عدد معتبر من القرارات يرجع بعضها إلى سنة 1989 و يمكن تحميلها و طبعها مجانا. قرارات المحكمة العليا السابقة لسنة 1989 تم نشرها في مجلات قديمة على غرار المجلة القضائية و نشرة القضاة. كذلك قامت المحكمة العليا بمبادر جد إيجابية و مفيدة تمثلت في إعداد دليل في الشكل الالكتروني يمكن الاطلاع عليه في موقعها الرسمي جمعت فيه مبادئ كل قراراتها المنشورة في مختلف المجلات الصادرة عنها ابتداء من سنة 1989 مرتبة بحسب مواضيعها ترتيبا أبجديا مع الإشارة إلى المرجع القانوني المعتمد عليه.
رغم كل الجهود و الآليات التي وضعتها المحكمة العليا بغرض نشر و توحيد الاجتهاد القضائي، فإنه كثيرا ما يتفاجأ ممتهني العمل القضائي و بالخصوص المحامين و الباحثين في الحقل القانوني بصدور أحكام و قرارات تبتعد بشكل متفاوت عن الاجتهاد القضائي الذي استقر عليه قضاء المحكمة العليا ، و هذا طبعا ينعكس سلبا على حقوق المتقاضين و يخلق نوع من اللاستقرار في العمل القضائي ،بل قد يخلق حتى نوع من التشكيك على الأقل في كفاءة من يصدر أحكام أو قرارات تعاكس اجتهادا قضائيا مستقرا دون تقديم بديل مركز و مقنع . من ضمن المبادئ التي يجب أن يحرص عليها القاضي هو مبدأ الأمن القانوني الذي مفاده أنه يجب ضمان قانون مفهوم و سهل المنال و قابل للتنبؤ لكل الخاضعين للقانون، و هو مبدأ منصوص عليه في المادة 34 الفقرة 4 من دستور 2020 التي تنص : " تحقيقا للأمن القانوني ، تسهر الدولة عند وضع التشريع المتعلق بالحقوق و الحريات على ضمان الوصول إليه و وضوحه و استقراره ".
انشغالات ممتهني العمل القضائي حول إشكالية تردد أو تحفظ بعض الجهات القضائية في تطبيق المبادئ التي استقر عليها الاجتهاد القضائي للمحكمة العليا دون تقديم بديل قانوني مقنع لم يخفى على الرئاسة الأولى لهذه الجهة القضائية العليا التي وجدت نفسها ملزمة للتدخل لتذكير القضاة بضرورة احترام ما استقر عليه اجتهادها القضائي.
لهذا الغرض أصدرت الرئاسة الأولى للمحكمة العليا خلال شهر أكتوبر 2024 مذكرة وجهت إلى رؤساء الغرف و رؤساء الأقسام و مستشاري الغرفة المدنية موضوعها توحيد الاجتهاد القضائي المستقر عليه في الغرفة المدنية مع طلب السهر عل احترام و تطبيق المبادئ المكرسة في هذا الاجتهاد القضائي. المبادئ التي تضمنتها هذه المذكرة تخص مسائل و مواد قانونية عديدة و متنوعة نذكر منها مضار الجار و اليمين القضائية و الملكية العقارية و الشفعة و الوعد بالبيع و إجراءات الطعن بالنقض و الاستئناف و انقضاء الخصومة و الاستعجال.
الحلول التي استقر عليها الاجتهاد القضائي للمحكمة العليا ليست طبعا حلول أبدية بل قد تستدعي المحكمة العليا إلى مراجعة موقفها من مسألة قانونية معينة. أسباب التراجع قد تكون خارجية أو داخلية . قد تقرر المحكمة العليا تغيير الاجتهاد القضائي التي استقرت عليه بسبب تأثير الفقه و المحيط الاجتماعي ، أو إذا رغبت في جعل حد لحالات الامتناع عن الحكم أو تخفيف الإجراءات.
إذا كان من ﺁثار المذكرة التي أصدرتها الرئاسة الأولى للمحكمة العليا أن توحد الاجتهاد القضائي في المسائل التي تطرقت لها و ستحث الجهات القضائية السفلى على عدم الانحراف عن هذه المبادئ ، فإن الملاحظ أن هذه المذكرة تضمنت مبدأ قد يعتبر تراجعا عن اجتهادها القضائي القديم و يتعلق الأمر بمسألة ذات أهمية متميزة و هي اكتساب عقار بالحيازة و التقادم المكسب.
مسألة التقادم المكسب التي عالجتها المذكرة الصادرة عن الرئاسة الأولى للمحكمة العليا تتمثل في الإجابة عن هذا السؤال : " هل يجوز المطالبة بالملكية عن طريق التقادم المكسب بموجب دعوى قضائية أم أن التمسك به لا يكون إلا عن طريق الدفع ؟ ". أجابت المذكرة عن هذا السؤال في شطره الأول بالنفي إذ أقرت أن التمسك بالملكية عن طريق التقادم المكسب لا يكون إلا عن طريق دفع.
سببت مذكرة المحكمة العليا هذا المبدأ الذي لا يجيز التمسك بالتقادم المكسب إلا عن طريق دفع بما يلي : " من المقرر قانونا أن إثبات الملكية عن طريق التقادم المكسب يكون إما عن طريق إجراءات التحقيق العقاري وفقا لأحكام القانون رقم 02-07 الصادر بتاريخ 02 فيفري 2007 المتضمن تأسيس إجراء لمعاينة حق الملكية العقارية و تسليم سندات الملكية عن طريق التحقيق العقاري ، و ذلك باللجوء إلى مصالح الحفظ العقاري و تقديم طلب و إتباع الإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون ، و إما عن طريق إثارة الدفع بالتملك عن طريق التقادم المكسب في حالة المنازعة القضائية بشأن العقار المدعى اكتسابه بالتقادم ، و أنه لا يجوز رفع دعوى مستقلة بالادعاء بالملكية عن طريق التقادم المكسب أي إثبات الملكية عن طريق الحيازة كسبب من أسباب كسب الملكية العقارية لأن دور القضاء هو الفصل في منازعة و ليس منح سندات إثبات ملكية و التي تقتضي أن يكون العقار محددا تحديدا كافيا من حيث المساحة و الحدود و التأكد من أن هذا العقار لا يندرج ضمن الأملاك التي لا يجوز تمليكها بالتقادم و منها الأملاك الوقفية و الوطنية و أن مثل هذه الشروط لا يمكن للقاضي الوقوف عليها أو التنازل عنها للخبير بل من مهام الإدارة التي منح لها القانون صلاحيات لذلك و آليات قانونية للحفاظ على الأملاك الوطنية و الدولية و حقوق الغير".
هذا الطرح الذي أقرته مذكرة المحكمة العليا أنشأ نوع من الحيرة في صفوف ممتهني العمل القضائي و خلق تضارب في التفسيرات و الملاحظات التي أبداها بعض المحللين لا سيما في وسط المحامين.
فهم البعض أن هذا المبدأ الذي أقرته المحكمة العليا في مذكرتها و الذي يمنع التمسك بملكية عقار بالتقادم المكسب عن طريق دعوى قضائية مستقلة ، و يجوز فقط الدفع به أثناء سير الخصومة هو تراجع عن اجتهادها القضائي السابق الذي كان لا يميز بين إثارة التقادم المكسب لعقار كدفع من قبل المدعى عليه أو كطلب أصلي من قبل المدعي.
الملاحظ أن هذه المذكرة و عند تطرقها للمواضيع و عرضها للمبادئ التي تخضع لها أشارت إلى مراجع القرارات التي صدرت في هذه المواضيع ، غير أنه بالنسبة لموضوع التقادم المكسب فإنها لم تذكر القرار الذي فصل في هذه المسألة مما يفهم منه أن المبدأ المقرر هو رأي أو موقف اتخذه قسم الوثائق و الدراسات القانونية و القضائية للمحكمة العليا الذي أعد هذه المذكرة المصادق عليها في الاجتماع الذي انعقد بحضور رؤساء الغرف و رؤساء أقسام و مستشاري الغرفة المدنية للمحكمة العليا المكلفين بإعداد الدراسات و صيانة المبادئ.
للإلمام بكل جوانب التقادم المكسب فإنه يجب الانطلاق من حالة واقعية لدعوى تطرح أمام المحكمة تثير مسألة الاحتجاج بملكية عقار عن طريق الحيازة و التقادم المكسب.
المبدأ في كل التشريعات أن الدعوى القضائية المعروضة أمام قاضي الموضوع لا تكون مقبولة إلا إذا كان الأمر يتعلق بعرض نزاع نشأ بين أطراف هذه الدعوى و يكون لكلا طرفي الدعوى ( المدعي و المدعى عليه) الصفة و المصلحة. حينما يبادر شخص في رفع دعوى أمام المحكمة فهذا يعني بالضرورة أنه يلتمس حماية حق شخصي أو عيني فهذه الدعوى ترفع ممن اعتدي على حقه ( المدعي صاحب الصفة و المصلحة ) ضد من قام بهذا التعدي ( المدعى عليه). عمليا ففي دعاوى التعدي على الملكية العقارية قد يقع أن يكون شخص حائزا لعقار ( مثلا قطعة أرضية ) حيازة صحيحة مستوفاة لكل شروطها و منذ مدة طويلة تزيد عن 15 سنة دون أن تكون له سندات ملكية، ثم يقوم شخص أجنبي بالتعدي و الاستيلاء على جزء من هذه القطعة الأرضية ، و على إثر ذلك يبادر الأول برفع دعوى ضد الثاني يطلب فيها من المحكمة إلزام هذا الأخير برفع اليد و التخلي عن الجزء المستولى عليه. كون المدعي حائز فقط للقطعة الأرضية المعتدى عليها و لا يملك سندات رسمية، فإنه سيتمسك أمام المحكمة بملكيته لهذه القطعة عن طريق الحيازة و التقادم المكسب.
في هذا المثال و إذا أثبت المدعي أنه فعلا كان حائزا للقطعة الأرضية التي اعتدى عليها خصمه حيازة صحيحة لمدة تزيد عن 15 سنة و استولى هذا الأخير على جزء منها فهل تستجيب المحكمة إلى طلبه بجعل حد لهذا التعدي مع إلزام المدعى عليه برفع اليد و التخلي عن الجزء المستولي عليه ارتكازا على التقادم المكسب؟
هناك من قرأ نص المذكرة في البند المتعلق بموضوع التقادم المكسب على أن مثل هذه الدعوى هي دعوى غير مؤسسة كون التقادم المكسب لم يثار عن طريق دفع و لكن أثاره المدعي كطلب أصلي.
هذا التفسير الذي أعطاه بعض المحللين للاجتهاد القضائي الوارد في مذكرة المحكمة العليا و الذي مفاده أنه لا يجوز التمسك بالتقادم المكسب بموجب دعوى قضائية مستقلة مرده الغموض المتصل بهذا النص. نص المذكرة الذي عالج مسألة التقادم المكسب لم يرفق بقرار المحكمة العليا الذي فصل في هذه المسألة الشيء الذي حال دون مراقبة نوع الطلب الذي قدم أمام محكمة الدرجة الأولى و ممن قدم، هل من طرف المدعي أم من طرف المدعى عليه. في المثال الذي عرضناه فإذا كان الطلب الذي قدمه المدعي للمحكمة للفصل فيه هو الاعتراف له بملكية القطعة الأرضية المعتدى عليها مع التماس تثبيت ملكيته حتى يصبح الحكم الصادر كسند ملكية فإنه لا شك أن هذا الطلب يكون غير مقبول كون موضوع الدعوى الأصلية ليس تثبيت ملكية القطعة الأرضية للمدعي و لكن موضوعها هو طلب إلزام المدعى عليه برفع اليد و التخلي عن الجزء من هذه القطعة الأرضية المعتدى عليها. إذا قضى القاضي بذلك وأمر بطرد المدعى عليه فإن الحكم الذي يصدره لا يعد سند ملكية ذو حجية مطلقة لأن الأحكام القضائية لها حجية نسبية فقط بمعنى أن آثارها تقتصر على أطراف الخصومة. و مع ذلك سنرى أنه نظريا لا يوجد ما يمنع القاضي أن يعاين و يثبت في حكمه ملكية المدعي للعقار محل النزاع بالتقادم المكسب ، مع القول أن حكمه يقوم مقام السند الرسمي بعد شهره.
إذا فسر التسبيب الوارد في مذكرة المحكمة العليا في هذا الاتجاه أي أن المدعي يطلب في غياب منازعة من القاضي تثبيت ملكيته لعقار بالتقادم المكسب و القول أن الحكم الصادر يقوم مقام سند ملكية فإن ذلك لا يثير أي إشكال ، و لكن إذا مدد هذا التسبيب للحالة التي يطلب فيها المدعي إلزام المدعى عليه برفع اليد و التخلي عن القطعة الأرضية التي استولى عليها مؤسسا طلبه على ملكيته لهذا العقار بالتقادم المكسب ، فإن هذا الاجتهاد القضائي يكون في نظرنا غير مستقيم و قابل للنقاش.
كسب عقار أو حق عيني عن طريق التقادم المكسب منصوص عليه في المادة 827 من القانون المدني التي تنص : " من حاز منقولا أو عقارا أو حقا عينيا منقولا كان أو عقارا دون ان يكون مالكا له أو خاصا به ، صار له ذلك ملكا إذا استمرت حيازته له مدة خمسة عشر سنة بدون انقطاع " .هذا النص يقر هذه القاعدة بدون أي تمييز بالنسبة لمن يحق له التمسك بها ، فلو ثبت أن شخص تتوفر فيه شروط الحيازة و التقادم المكسب أي الحيازة التي دامت أكثر من 15 سنة و مستوفاة لشروط المادة 524 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أي حيازة هادئة و علنية و مستمرة لا يشوبها انقطاع و غير مؤقتة و دون لبس، فإنه يصبح مالكا للعقار الذي يحوزه كأن له سند رسمي فيمكن له حينئذ درء أي مساس بهذا العقار و يحق له اللجوء إلى القضاء.
لم يقع أن ميزت المحكمة العليا في قراراتها بين إثارة التقادم المكسب عن طريق طلب أصلي أو عن طريق دفع ، و اعتادت الفصل في قضايا أثيرت فيها هذه المسألة من طرف المدعي الأصلي دون أي إشكال.
في الواقع فإن الارتباك في تفسير موقف المحكمة العليا قد يرجع إلى احتواى المذكرة لمصطلح " الدفع " الذي ورد في النص على هذا الشكل : " هل يجوز المطالبة بالملكية عن طريق التقادم المكسب بموجب دعوى قضائية أم أن التمسك به لا يكون إلا عن طريق دفع ؟ "
في الإجراءات المدنية فإن مصطلح " الدفع " l’exception له معنى دقيق ، فهو الوسيلة التي يرمي من خلالها أحد أطراف الخصومة و عموما المدعى عليه إلى إيقاف سير الخصومة بصورة مؤقتة دون المساس بالموضوع ( المادة 49 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ). و هذه الدفوع تتمثل أساسا في الدفع بعدم الاختصاص ( م 51 من ق.إ.م.إ.) و الدفع بوحدة الموضوع و الارتباط ( م 53 ق.إ.م.إ.) ) و الدفع بإرجاء الفصل ( م 59 من ق.إ.م.إ.) و الدفع بالبطلان ( م 60 من ق.إ.م.إ.) و الدفع بتدخل الضامن ( م 203 من ق.إ.م.إ.).
في الواقع فإنه يجب التمييز بين الدفع و الدفاع في الموضوع و الوسيلة . الوسيلة التي يثيرها المدعى عليه في مواجهة المدعي المأخوذة من ملكيته للعقار محل النزاع بالحيازة و التقادم المكسب ليست دفعا بل هي دفاع في الموضوع و الفرق بينها أن الدفع يثار قبل أي دفاع في الموضوع تحت طائلة عدم القبول ،و أما الدفاع في الموضوع فإنه يجوز إثارته في أي حالة كانت عليها الدعوى و لو لأول مرة في الاستئناف (قرار المحكمة العليا المؤرخ في 21 سبتمبر1992 ملف رقم 88087 - منشور بنشرة القضاة لسنة 1993 - عدد 4- صفحة 118).
كون التمسك بالتقادم المكسب هو وسيلة و دفاع في الموضوع و ليس دفعا فإنه يجوز إثارته كطلب أصلي من قبل المدعى في دعوى مستقلة. ما استقر عليه القضاء في مجال اكتساب عقار عن طريق التقادم المكسب أنه في حالة ما قدم المدعى عليه دفاعا مأخوذا من ملكيته للعقار محل النزاع بالتقادم المكسب و طلب الإشهاد له بذلك فأصبحت هذه الوسيلة بمثابة طلب مقابل ، فإن المحكمة تكون ملزمة للتحقيق و الفصل في مسألة التقادم المكسب ، و إذا ثبت توفر شروطه فإن القاضي يعطي إشهادا للمدعى عليه عن ذلك و حينئذ فإن الحكم الصادر سيتضمن حيثية مستقلة يعاين فيها القاضي ملكية المدعى عليه للعقار محل النزاع بالتقادم.
يجب في نظرنا قراءة نص المذكرة الذي عالج مسألة التقادم المكسب في هذا الاتجاه ، أي أنه يمنع فقط رفع دعوى بغرض تثبيت ملكية عقار يقدم على شكل طلب أصلي خارج أي منازعة و يرمي إلى استصدار حكم يقوم مقام السند الرسمي ، و عدم تفسيره على أنه يمنع رفع دعوى مستقلة من طرف من سلب منه عقار اكتسبه بالحيازة و التقادم المكسب ترفع ضد المعتدي و يطلب فيها إلزام خصمه المعتدي برفع اليد و التخلي عن هذا العقار.
ما يدعم أكثر جواز رفع دعوى ممن سلب منه عقار و تمسك بملكيته عن طريق الحيازة و التقادم المكسب هو أن القانون يجيز بنصوص صريحة رفع دعوى الحيازة في أنواعها الثلاثة ( دعوى منع التعرض ، دعوى وقف الأعمال الجديدة ، دعوى استرداد الحيازة - المواد من 87 إلى 826 من القانون المدني و 524 إلى 53 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ) . فإذا كان يجوز رفع دعوى قضائية مستقلة من قبل المدعي يطلب فيها حماية عقار يوجد في حيازته و ليس له عليه سند و هي الحيازة التي تستلزم فقط الحيازة لمدة سنة، فإنه من البديهي أن مثل هذه الدعوى تكون مقبولة إذا رفعت ممن حاز عقار لمدة أطول تحولت بموجبها هذه الحيازة إلى الحيازة التي تؤدي إلى التقادم المكسب.
مسألة التقادم المكسب Prescription acquisitive ou usucapion كانت محل اهتمام و دراسات عديدة في كل البلدان و يرجع مصدرها إلى القانون الروماني. الفقه في الدول العربية متفق على أن العقارات تكتسب كذلك بالحيازة و التقادم و أن هذا التقادم يجوز التمسك به عن طريق الدفع أو عن طريق الدعوى على السواء ،و أن التقادم المكسب لا يكسب الحائز مجرد دفع بل يعطيه حق الدعوى (عبد الرزاق السنهوري ، عبد الفتاح عبد الباقي ، عبد المنعم فرج الصده ...).
في فرنسا التي لها تشريع مماثل للتشريع الجزائري في مجال التقادم المكسب ( المواد من 2258 الى 2277 من القانون المدني الفرنسي) ، فإنه يوجد إجماع بين الفقهاء و في الاجتهاد القضائي لا فقط على أن التقادم المكسب يثار عن طريق دفع أو عن طريق دعوى دون تمييز ، و لكن يجيز كذلك القاضي بتثبيت و معاينة اكتساب العقار بالتقادم المكسب في دعوى قضائية يرفعها المدعي مع تمكين هذا الأخير بإشهار الحكم . فمثلا فإن كلا من محكمة باريس و محكمة فرساي الفرنسيتين و على غرار باقي المحاكم أصدرتا أحكام عاينتا و ثبتتا فيها أن المدعي له صفة المالك للقطعة الأرضية محل النزاع بالتقادم المكسب مع القول أن الحكم الصادر يقوم مقام سند الملكية و ينشر من طرف المدعي لدى المصلحة المكلفة بالشهر العقاري لمقر العقار .
و أما محكمة النقض الفرنسية فإنها استقرت على أنه يجوز لمن حاز عقارا أو حقا عينيا عقاريا أن يدعي بملكيته عن طريق التقادم المكسب ، و تبعا لذلك فإنه يكون مؤسس في رفع دعوى الاستحقاق ضد من اعتدى على هذا العقار أو الحق العيني. ارتكازا على هذا المبدأ المستقر فإنها قضت مثلا أنه من حاز حيازة أدت إلى تقادم لشريط من الأرض يفصل بين ملكيته و ملكية جاره أن يرفع دعوى استحقاق هذا الممر مع طلب إلزام المعتدي بإرجاع الأماكن إلى الحالة التي كانت عليها (الغرفة المدنية الثالثة - قرار بتاريخ 09 أبريل 2013 - طعن رقم 13.516.12 ، و أن الملكية تكتسب بالتقادم الذي هو طريق من طرق اكتساب مال أو حق بموجب الحيازة و أن نصوص التقادم المكسب ليست مخصصة فقط للأشخاص الطبيعيين بل يمكن التمسك بها من طرف الأشخاص العموميين إذا توفرت فيهم شروط الحيازة ( (الغرفة المدنية الثالثة - قرار بتاريخ 04 جانفي 2023 - طعن رقم 21.18.993 ). في قرار ﺁخر قضت محكمة النقض الفرنسية أنه يجوز مباشرة دعوى استحقاق قطعة أرضية عن طريق التقادم المكسب ممن حاز هذه القطعة و قام بتسييجها و صيانتها منذ مدة طويلة مع استظهاره لشهادات صادرة عن أشخاص أكدوا هذه الحيازة (الغرفة المدنية الثالثة - قرار بتاريخ 24 سبتمبر 2020 - طعن رقم 499.15.19).
المشكل أن بعض الجهات القضائية السفلى نهجت مؤخرا طريق التفسير الخاطئ في نظرنا لنص المذكرة ، إذ أصبحت ترفض الدعاوى المرفوعة من قبل المدعي الذي تمسك بملكيته لعقار بالحيازة و التقادم المكسب و طلب طرد المدعى عليه الذي استولى على عقاره بالقوة .فمحكمة بجاية مثلا أصدرت مؤخرا حكم قضى برفض دعوى المدعي الذي ادعى أن خصمه المدعى عليه استولى على جزء من قطعة أرضية ملك له كسبها عن طريق الحيازة و التقادم المكسب مع تقديمه مستندات تثبت قطعيا صحة هذه الحيازة ، و في هذا الحكم أسست المحكمة قضائها على نفس الأسباب الواردة في نص المذكرة أي أن التقادم المكسب يجب أن يقدم عن طريق دفع و ليس عن طريق دعوى قضائية مستقلة و أن التحقيق العقاري عن طريق المحافظة العقارية هو الإجراء الوحيد الذي يسمح بإثبات ملكية العقارات.
الملاحظ أن الاجتهاد القضائي الوارد في المذكرة صدر عن الغرف المدنية للمحكمة العليا و هو موجه لهذه الغرف فيما أن الغرف العقارية التي هي المعنية قبل الغرف المدنية بالفصل في المنازعات العقارية ، لا سيما المنازعات التي تثير مسألة ملكية عقار عن طريق الحيازة و التقادم المكسب فإنها أصدرت قرارات في قضايا أثيرت فيها هذه المسألة من قبل طاعن كان مدعي في الدعوى الأصلية أمام محكمة الدرجة الأولى فقضت أن التمسك بالتقادم المكسب هو طريق من طرق اكتساب الملكية و بإمكان أي طرف أن يثبت ملكيته بهذه الوسيلة القانونية عند توفر شروط الحيازة ( مثلا القرار المؤرخ في 13 مارس 2014 - ملف رقم 835419 - منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2014 – عدد 1 – صفحة 360 ؛ القرار المؤرخ في 15 أكتوبر 2022 - ملف رقم 479371 - منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2008 – عدد 2 – صفحة 273). من جهتها فإن غرفة شؤون الأسرة و المواريث نهجت نفس القضاء الذي نهجته الغرفة العقارية ، ففي طعن بالنقض في قضية أثيرت فيها مسألة التقادم المكسب من قبل طرف كان مدعي في الدعوى الأصلية أمام المحكمة ، فإنها قضت بأن رفض الدعوى الرامية إلى اكتساب عقار بالحيازة و التقادم هو قضاء مخالف للقانون متى ثبت توفر شروط هذا التقادم (قرار مؤرخ في 18 جوان 1991 - ملف رقم 72055 – منشور في المجلة القضائية لسنة 1993 – عدد 3 – صفحة 72).
كون الاجتهاد القضائي الذي ورد في مذكرة المحكمة العليا قد يفسر على أنه لا يجيز التمسك بالتقادم المكسب من طرف المدعي في دعوى مستقلة و يكون له صدى أمام الجهات القضائية السفلي كما كان الحال أمام محكمة بجاية ، فإنه أضحى من الضروري إعادة النظر في هذا الاجتهاد القضائي للغرف المدنية بتثبيته أو بمراجعته و لكن بعد وقوع إجماع على ذلك من قبل كل غرف المحكمة العليا .
يوجد في التشريع الجزائري آلية قانونية خاصة يمكن اللجوء إليها لتوحيد الاجتهاد القضائي بصفة نهائية و فعالة في مسألة التقادم المكسب و طرق الدفع به ، و هو عرض الفصل فيها على الغرف الموسعة للمحكمة العليا ( الغرفة المختلطة أو الغرف المجتمعة ) و ذلك عندما تطرح مستقبلا قضية تثار فيها مسألة التقادم المكسب. هذه الآلية منصوص عليها في المادتين 15 و 18 من القانون العضوي رقم 11-12 المؤرخ في 26/07/2011 المحدد لتنظيم المحكمة العابيا و عملها و اختصاصاتها و كذا المواد من 57 إلى 63 من النظام الداخلي للمحكمة العليا.
اللجوء إلى الغرف المختلطة أو إلى الغرف المجمعة أصبح ضروريا لا فقط في موضوع الحيازة و التقادم المكسب و طريقة إثارته و لكن كذلك في بعض المسائل الأخرى التي صدر فيها اجتهادا قضائيا متضاربا.
قابلية اكتساب الحقوق العينية أو العقارية الميراثية بالتقادم من عدمه مثلا أنشأ تضاربا في موقف المحكمة العليا من هذه المسألة. المادة 829 من القانون المدني تنص صراحة أنه : " لا تكسب بالتقادم في جميع الأحوال الحقوق الميراثية ، إلا إذا دامت الحيازة ثلاثا و ثلاثون سنة ". يفهم من هذا النص أن الحقوق الميراثية تتقادم مثلها مثل كل الحقوق العينية أو العقارية و لكن بعد انقضاء مدة أطول حددها المشرع بثلاثة و ثلاثين سنة التي تسري ابتداء من تاريخ افتتاح التركة الموافق لتاريخ وفاة الوارث. المحكمة العليا و بعد أن ثبتت قاعدة قابلية الحقوق الميراثية للتقادم المكسب ( مثلا قرار للمحكمة العليا ، الغرفة المدنية ، 06 ماي 1987 - ملف رقم 40944 – منشور في المجلة القضائية لسنة 1991 - عدد 3 - صفحة 15) و أن هذا التقادم يسري بغض النظر عن الدفع بالمانع الأدبي الذي قد يثيره الوارث في مواجهة خصمه الذي يدفع بالتقادم ( قرار للمحكمة العليا ، الغرفة العقارية ، 17 جانفي 2007 - ملف رقم 38465 - منشور في المجلة القضائية لسنة 2007 - عدد 2- صفحة 401) ، فإنها تراجعت عن هذا القضاء فيما بعد و اعتبرت أن التركة لا تسقط بالتقادم (قرار للمحكمة العليا - الغرفة العقارية - 31 جويلية 2000 ملف رقم 197177- منشور بالمجلة القضائية لسنة 2001 - عدد 1 - صفحة 245 ؛ غرفة شؤون الأسرة و المواريث 07 ديسمبر 2016 - ملف رقم 1034319- منشور في مجلة المحكمة العليا لسنة 2016 - عدد 2 - صفحة 193 ).
في قرارات أخرى فإن المحكمة العليا حاولت معالجة مسألة تقادم الحقوق الميراثية بمرونة دون منع التقادم المكسب لهذه الحقوق بصورة مطلقة إذ ألزمت فقط قضاة الموضوع على البحث بتأني في توفر شروط و عناصر الحيازة، و كذا البحث في توفر المانع الأدبي من عدمه إذا أثير من قبل الوارث الذي يطالب بنصيبه من التركة خارج أجل الثلاثة و الثلاثون سنة المنصوص عليه في المادة 829 من القانون المدني. ففي قرار صدر عن غرفة شؤون الأسرة و المواريث مؤرخ في 09 جوان 2011 ، ملف رقم 629657 ( قرار منشور في مجلة المحكمة العليا لسنة 2011 – عدد1 – صفحة 266 ) ، شرحت المحكمة العليا بوفرة مسألة تقادم الحقوق الميراثية بالحيازة إذ قضت بما يلي: " حيث أنه من الشروط الواجب توافرها لاكتساب الحق بالتقادم أن تكون الحيازة قانونية مستوفية لعنصريها المادي و المعنوي و خالية من العيوب التي يمكن أن تشوبها خاصة منها الإكراه أو الإخفاء أو اللبس ، و يكون واجبا على صاحب المصلحة الذي يتمسك بهذا الحق إثبات حيازته الفعلية مستوفاة لهذه الشروط و بخاصة إثبات أن وضع اليد كان وضعا فعليا ظاهرا و مستمرا و غير غامض و هادئا و لا يعد من رخص التسامح و بنية التملك للمدة المقررة،كما يكون قضاة الموضوع ملزمين بإبراز هذه الشروط و العناصر في قرارهم وصولا بذلك إلى إثبات الحيازة بعناصرها و شروطها من عدمه و عدم الاكتفاء فقط بحساب المدة حسبما ذهب إلى ذلك قضاة الموضوع و دون التأكد من استيفاء الدفع لباقي الشروط و بالخصوص ما نصت عليه المادة 808 من القانون المدني من أن الحيازة لا تقوم على عمل من أعمال التسامح لأن الغير الذي اعتدى على حقه إذا ترك المعتدي تسامحا يستغل حقوقه بصفة صريحة أو ضمنية فإن هذا الاستغلال الذي يباشره مدعي الحيازة بموجب ترخيص أو تسامح لا يمكنه الادعاء بقصد الظهور بمظهر صاحب حق عيني على الشيء فينتفي معه العنصر المعنوي و لا يعتبر حائزا ، فضلا على أن استيلاء بعض الورثة على أعيان التركة بعد وفاة المورث قد لا يتضح معه الأمر فيما إذا كان الذي استولى على التركة يحوزها لحساب نفسه فقط أم لحساب نفسه و لحساب باقي الورثة و تكون حيازته بذلك مشوبة بعيب اللبس و لا تؤدي إلى كسب الحق بالتقادم "
لا شك أن تضارب قرارات المحكمة العليا حول مسألة جواز الدفع بالتقادم المكسب في الحقوق الميراثية من عدمه له كذلك أثر سلبي على مآل هذا النوع من المنازعات ، و لذلك فقد أصبح تدخل الغرف المجتمعة للمحكمة العليا ضروريا لتوحيد الاجتهاد المتذبذب في هذا المجال. و مع ذلك رأينا أن الاجتهاد القضائي الذي لا يجيز الدفع بالتقادم المكسب في الحقوق الميراثية بحجة وجود مانع أدبي بسبب القرابة هو قضاء ضعيف لا يستقيم مع روح القانون لا سيما مع المادة 829 من القانون المدني التي تنص صراحة على تقادم الحقوق الميراثية .فهذا الاجتهاد القضائي يكون بمثابة إبطال مفعول هذه المادة و تحويل الحقوق الميراثية إلى حقوق أبدية. موقفنا هذا نهجته كذلك الغرفة العقارية للمحكمة العليا في قرار مؤرخ في 17 جانفي 2007 رقم 38465 المشار إليه أعلاه الذي مفاده أن المانع الأدبي لا يؤثر على تقادم الحقوق الميراثية.
هذا التضارب في موقف المحكمة العليا بالنسيبة لتقادم الحقوق الميراثية تكرر بالنسبة لقابلية العقارات الممسوحة و التي لها دفتر عقاري للتقادم المكسب و هي المسألة التي فصلت فيها الغرفة العقارية للمحكمة العليا في قرار مؤرخ في 14 جانفي 2021 ملف رقم 1206937 ( قرار منشور بالموقع الرسمي للمحكمة العليا) . هذا القرار الذي أقر عدم قابلية العقار الممسوح الذي تحصل مالكه على دفتر عقاري للتقادم المكسب يتضارب مع اجتهاد المحكمة العليا السابق المكرس في قرار مؤرخ 16 جويلية 2008، ملف رقم 423832 (قرار منشور في مجلة المحكمة العليا لسنة 2010 – عدد خاص – الجزء 3 - – صفحة 274 ) الذي قضى بأنه لا يمنع توفر العقار على دفتر عقاري من اكتسابه بالتقادم.
مسألة قبول الدفع بالتقادم المكسب في مواجهة العقود التي أنجزت في إطار عمليات المسح أو في مواجهة دفتر عقاري و بالنظر إلى تضارب قضاء المحكمة العليا إذ بعض قراراتها تجيزه و بعض الآخر تمنعه ، فإنه أصبح من الضروري هنا كذلك توحيد الاجتهاد القضاتي حول هذه المسألة ، و قد يتأتى ذلك عن طريق الفصل في هذه المسألة من طرف الغرف المجتمعة أو الغرفة المختلطة. في منشور سابق قدمنا موقفنا من هذه المسألة و هو أن التقادم المكسب يسري في مواجهة كل العقارات بما فيها العقارات الممسوحة أو التي لها دفتر عقاري.
كذلك فإن المذكرة الصادرة عن الرئاسة الأولي للمحكمة العليا التي ترمي إلى توحيد الاجتهاد القضائي و التي يجب تثمينها و يرجى توسيعها لكل غرف المحكمة العليا تثير مسألة تصنيف و ترميز قراراتها. في مقال سابق نشرناه على هذا الموقع تطرقنا بإسهاب إلى هذه المسالة. الصورة المثالية هي أن تفصل المحكمة العليا ( و مجلس الدولة في المواد الإدارية) في المواد التي تتسم ببعض التعقيد أو التي شهدت تضاربا في الاجتهاد القضائي عن طريق الغرف المجتمعة. حينئذ فإن هذه القرارات الصادرة عن الغرف المجتمعة ستكتسي طابع الاجتهاد القضائي بامتياز يمنع على الجهات القضائية السفلى الحكم خلاف ما أقرته هذه الغرف المجتمعة. بعض الأنظمة القضائية تصنف القرارات الصادرة عن الجهة القضائية الموجودة على هرم النظام القضائي تصنيفا متصاعدا حسب الرمز المخصص له. في فرنسا مثلا فإن قرارات محكمة النقض تصنف بأربعة رموز B R L C ، فالقرارات التي تحمل رمز B هي قرارات لها بعد معياري متميز تعتبر اجتهادا قضائيا بامتياز و تكون محل نشر في مجلة محكمة النقض، كما أنها تنشر فورا في الموقع الرسمي لهذه المحكمة. و أما باقي القرارات فإنها تبث في منشورات أخرى و تكون عادة مصحوبة بتعاليق.
نظام ترميز قرارات المحكمة العليا لم يتم بعد تقنينه في الجزائر ، و لذلك فإن القرارات التي تعتبرها المحكمة العليا كقرارات مبدئية بامتياز أي اجتهادا قضائيا يلزم كل القضاة دون استثناء هي القرارات التي تنشر في مجلتها " مجلة المحكمة العليا". بعض القرارات و فضلا عن نشرها في مجلة المحكمة العليا ، فإنها تنشر كذلك في الموقع الرسمي للمحكمة العليا و هذا يعني أن هذا النوع من القرارات التي خضعت لنشر مزدوج تحوز درجة و حجية متفوقة و تعتبر بمثابة تكملة للنص القانوني الناقص أو المبهم الذي ارتكزت عليه . فعلى سبيل المثال فإن قرار المحكمة العليا المؤرخ في 28 أبريل 2022 ملف رقم 1517023 السالف الذكر الذي قضى بأن عقد الهبة المحرر أمام الموثق سواء انصب على عقار أو محل تجاري أو حصص اجتماعية لشركة تجارية هو عقد احتفائي بمفهوم المادة 324 مكرر 3 من القانون المدني فيجب حينئذ تحريره تحت طائلة البطلان المطلق بحضور شاهدين ، هو قرار نشر في مجلة المحكمة العليا و في الموقع الرسمي للمحكمة العليا و من ثمة فإنه حاز صفة الاجتهاد القضائي المستقر بامتياز.
الأستاذ براهيمي محمد
محامي لدى مجلس قضاء البويرة
brahimimohamed54@gmail.com